لم ألتقِ بالحقوقي النادر الصنف الراقي العطاء الدكتور عبد الله الدرازي منذ أمدٍ بعيد لكنني كنتُ متتبّعا لنشاطه في المجال الحقوقي بشكل مستمر. وطالما شعرت انّ الرجل ذو سمات انسانية راقية وتاريخ وطني مشرف. بل احسست انّه قريب من الانسان البحريني البسيط . وهو من الشخصيات المشهود لها بالكفاءة والنزاهة من الذين تم اختيارهم للمؤسسة الوطنية لحقوق الانسان بين الجهات الاستشارية والاكاديمية ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الاجتماعية والمهنية والمهتمين بحقوق الانسان .
الدّكتور الدّرازي كان عضوا بالمؤسسة الوطنية لحقوق الانسان السابقة ثم اعيد تعيينه. ولعلّ الذي لا يعرفه الكثيرون عنه انه يفضل العمل بصمت وبدون ضجيج . قد نندهش اذا عرفنا انه وخلال الفترة القليلة الماضية أي منذ تشكيل المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان فقد ساهم الرجل في علاج اكثر من قضية انسانية واعاد البسمة الى عوائل كانت تعاني من معضلات وآلام .
بل انه غالبا ما يقابل الاساءة بابتسامة مؤدبة وكأنّه يقول في داخل نفسه “ لأدع اعمالي تتحدّث عنيّ ! . وهنا أتذّكر ما تعرّض له الدكتور عبد الله الدّرازي في ندوة قبل ما يزيد على السنتين بإحدى الجمعيات من انتقادات شديدة لا تليق بتاريخ الرجل الوطنيّ ولا بتضحياته على صعيد عمله الحقوقيّ بدعوى تفريطه بالحقوق والواجب . لكنّ الذّي يجب الاشارة اليه والاشادة به انه وطوال “ وصلة النقد والتجريح “ بقي متمسكا بهدوئه ومناقبيته العالية والشفافية والتحضر وهي من الخصال التي عُرف بها طوال حياته .
الدكتور الدّرازاي ليس هو الرجل الباحث عن المال ولا هو من المتكالبين على المركز الاجتماعي . ولعل القريبين منه يدركون حقيقة لم تعد خافية وهي انّه ومنذ زمن يتلقى العروض لقيادة مؤسسات وعضوية مجالس .. ولكنه كان كعادته يطوي العروض بتكتم شديد. لا تخليّا عن واجب وطني وانساني كما يتصور البعض بل استشعارا منه بثقل المسؤولية وعظم الأمانة التي عرضت على السموات والارض فأبين ان يحملنها. وقبل كل هذا وبعده احساسا منه بأنّ هناك من هم أجدر منه بهذه المواقع . وطبيعي إزاء هذه المواقف يغدو التساؤل مشروعاً : ألا يستحق منا الرجل نظرة الاكبار والاحترام ؟
لقد اعلنها الحقوقيّ البارز الدكتور عبد الله الدّرازي وفي الندوة ذاتها صريحة “ انني امتلك الشجاعة لأعلن امامكم جميعا أنني على استعداد للاستقالة اذا خالفت في عملي مبادئ باريس أو عدم توفر الاستقلالية والحيادية التي يجب ان تكون عليها حقوق الانسان “
إنّ المهمّة المكلّف بها الدكتور عبد الله في المؤسسة الوطنية ليست بالمهمة الممكن الاستهانة بها فهي تعد من أشق المهن على الاطلاق وتتمثل كما يعلم الجميع في معالجة ملفات ساخنة اذ انّ هناك شريحة من الناس تعاني اوضاعا انسانية بائسة والمأمول من المؤسسة النهوض بواجبها الانسانيّ .
ولسنا بحاجة الى التذكير بتاريخ الرجل أبّان ترؤسه لجمعية حقوق الانسان وما اثبته من كفاءة ومهنية عالية وتعاطيه مع قضايا عويصة وشديدة الحساسية فنهض بها على خير وجه .
ويتبقىّ ان نشير الى انه وفي الايام القليلة الفائتة استطاع الدكتور عبد الله الدرازي وبحسه الانساني الرفيع ان يتدخل بانقاذ حياة احد المواطنين ممن تعرضوا لموقف خطير فأكدّ من خلال هذا الموقف الاخلاقيّ حسه الانساني الراقي وجدارته بالموقع .
ولا نملك في الختام الاّ ان نتمنىّ للدكتور الدرازي ولزملائه الاعضاء في المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان التوفيق في النهوض برسالتهم الانسانية النبيلة والجليلة .