وقفت الطالبة الأميركية ذات الأعوام الثمانية عشر تسأل بكل براءة ثلاثة من الأساتذة الجامعيين: هل بإمكانكم أن تلّخصوا لنا لماذا أميركا الدّولة الأعظم في العالم؟ وكانت الإجابة الأولى إنها الحرية! أما الإجابة الثانية فكانت التقدم العلمي والاختراعات التكنولوجية. وجاءت الإجابة الثالثة مفاجئة وصادمة لجميع الحاضرين ووقفوا إزاءها مذهولين. إذ أعلن الأستاذ الجامعيّ بكل صراحة: إننا لسنا أعظم دولة في العالم!.
وواصل حديثه قائلاً: إذا كانت الحرية هي ما يميزنا على بقية دول العالم فإنّ هذه ليست هي الحقيقة فهناك العديد من دول العالم يتمتع مواطنوها الحرية كبريطانيا وفرنسا واليابان وأستراليا وبلجيكا وتوجد مئة وثمانون دولة في العالم تكفل الحريات! ولا دليل حقيقي على أننا الدولة الأعظم في العالم.
إننا نتصدر العالم – كما قال الأستاذ الجامعي الأميركي – في ثلاثة أشياء فقط: معدّل المساجين بالنسبة لعدد السكان وعدد البالغين الذين يعتقدون بوجود ملائكة ومصروفات الدفاع حيث ننفق على الدفاع أكثر من ست وعشرين دولة حليفة تلينا. كنّا الدولة الأعظم فيما مضى. عندما كنا نقف مع الحق وكنا نشن الحروب على الفقر وليس الفقراء. كنا الأعظم عندما استكشفنا الكون وعالجنا الأمراض. لكننا أصبحنا اليوم الثالثة في متوسط الفقر.
وبلهجة بالغة الحدّة والصراحة وجّه سؤالا للجمهور قائلا: هل تعلمون لماذا يكره الناس الليبراليين؟ السبب أنّهم – الليبراليين – فاشلون!.
نحنُ الدولة السابعة على مستوى الأمية ونحن الدولة السابعة والثمانين على مستوى الوفيات الرضع والدولة الثالثة على مستوى دخل الأسرة والدولة السابعة والعشرين على مستوى الرياضيات! باختصار هذا الجيل من أسوأ الأجيال التي مرّت على أميركا في تاريخها.
وبعد.. فهذه هي مجرد مقتطفات من أجرأ محاضرة كما اعتقد بالنسبة للأميركيين. لكنّ المؤسف أنّ لدينا هنا في العالم العربيّ من هو مخدوع بالشعارات الأميركية إذ انطلت على بعض الإخوة الأكذوبة التي يروج لها الإعلام الأميركي بأنّها الدولة الراعية لنشر العدالة والديمقراطية في كافة ربوع العالم وأنّ همها الأول اقتلاع جذور الشر وإسقاط الديكتاتوريات وفي سبيل هذا المبدأ فإنها ترصد الملايين من الدولارات عبر ما تسميه المعاهد الديمقراطية.
هل نحتاج إلى إضافة المزيد بعد الذي أطلقه الأستاذ الأميركي؟ إنّ تاريخ الولايات المتحدة الأميركية حافل بالصفحات السوداء لما سببته من كوارث وفتن وثورات في أماكن عديدة من العالم حتى أصبح الجميع يردد بسخرية (فتش عن أميركا) للدلالة على ممارساتها الوحشية.
هل من موجبات نشر الديمقراطية في العالم أن لا تتوّرع “راعية الديمقراطيات الأولى في العالم” عن استخدام كافة الوسائل الدعائية كإعلانها لحقوق الإنسان وحق تقرير المصير والحق في الحرية والاستقلال. ولعل الشاهد على ممارسات هذه الدّولة الإجرامية ما تقترفه من ظلم لا مثيل له على الشعبين الفلسطيني والأفغاني وبقية الشعوب التي تعلن رفضها لأميركا وغطرستها.
لسنا ننكر ما خلّفه الرئيس الأميركي العظيم إبراهام لنكولن إذ لم تزل أفكاره مضيئة في وجدان الشعوب المقهورة لكنّ هذه “الدولة العظمى” للأسف البالغ أضاعت هذا التراث العظيم بل إنّ الولايات المتحدة الأميركية فقدت ذاكرتها القومية وتنكرت لمواقف الرجل التاريخية إلى صف المقهورين بل إنها أضحت تساند الغاصبين.
إنّ الدولة الأعظم اليوم أعادت إنتاج الاستعمار القديم في أميركا الجنوبية وأفريقيا والشرق الأوسط عبر مخابراتها المتوحشة والتصرف بمقدرات الشعوب كما لو كانت أملاكا تابعة لها.