العدد 1617
الثلاثاء 19 مارس 2013
لماذا لا يستقيلون محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 19 مارس 2013

قدّم وزير التربية والتعليم الكويتي استقالته على خلفيّة وفاة طالبة بعد تعرضها للضرب. وجاء في قرار الاستقالة «استشعارا لمسؤوليتي السياسية والادبية ولإيماني بأنّ ابناءنا الطلبة هم مسؤوليتي الشخصية فاننيّ اتحمّل مسؤولية ما حدث بدون اي تقصير من المسؤولين في الوزارة».
لا اعتقد انها المرة الاولى التي يقدم فيها مسؤول على تقديم استقالته ذلك انّه يصعب حصر الحالات الاّ انّ بلداننا العربيّة تشكل استثناء بين دول العالم في هذا المجال. فقط على مستوى زعماء الدول يمكن الاشارة الى استقالة الرئيس الفرنسيّ الاشهر شارل ديغول وقد ربط مصيره السياسي بنتيجة استفتاء شعبي باعطائه صلاحيات موسعة لمجالس الاقاليم ولما لم تكن النتائج كما اراد فانه اقدم على الاستقالة وانسحب من المشهد السياسي بهدوء. وليس هناك من لم يعرف انجازات ديغول السياسية.
اما في العالم العربيّ فإننا نتذكر استقالة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر بعد هزيمة الخامس من حزيران. وكانت استقالة تاريخية وفيها اعلن عبدالناصر عن تحملّه كامل المسؤولية عما حدث. انّ الدلالة لهذه الاستقالات تنم عن حس عالٍ بالمسؤولية وقيمة عظيمة نادرة في هذا العصر.
ولعل الاغلبية منا قد قرأ وشاهد خبر استقالة وزير من دولة غربية او شرقية لحادث يبدو لبعضنا بسيطا كخروج قطار عن سكته او انحراف حافلة عن مسارها وذهب ضحيته عدد من الافراد. غير انّ الدافع للاستقالة هناك هو استشعار المسؤولية هناك وغياب هذا الحس في بلدان العالم الثالث.
وحتى زمن قريب كانت استقالة وزير من هذه الدول من الامور الباعثة على السخرية لسبب في غاية البساطة هو انّ الفرد هناك يتمتع بقيمة لا تتوفر لدى بلدان العالم الثالث بل تعد من الامور التي لا تستحق التوقف امامها. بل الذي يجري هو التجاهل التام ازاء الكثير من مسائل الفساد والرشوة. ورغم تورط البعض في جرائم السطو على المال العام بالادلة والوثائق الاّ انّ المفارقة هو ان هؤلاء بدلاً من الاستقالة فانهم يلجأون الى التبرير والالتفاف على الفضيحة الساطعة كالشمس في رابعة النهار.
الحقيقة ان ليس من يملك تفسيرا للتهرب من المسؤولية سوى حبّ المسؤول بالتشبث بموقعه وكأنه غير معني بالموضوع. اما السر في هذا فانه ليس من الامور الخافية على احد. فالموقع يكسبه القوة والنفوذ والمال والجاه اضافة الى نزعة التسلط على رقاب العباد. انّ صور الفساد والتجاوزات فاقت الخيال فصاحب المنصب يتخيل انّه بمجرد تبوئه للموقع فانّ كل شيء اصبح مباحاً ابتداءً من النهب الى استغلال المركز الوظيفي لتوظيف الاقارب والاصدقاء وكل هذا يتم في غياب المحاسبة والرقابة.
انّ الاستقالة في احد مفاهيمها تعني الاقرار بالخطأ ومن ثم تحمل المسؤولية القانونية والاخلاقية. لكن من يحلل واقعنا العربيّ فانه لا يحتاج الى عناءٍ كبير للتوصل الى انّنا نفتقد هذه الشجاعة وثقافة تحمل المسؤولية ليس في تاريخنا الحديث فحسب بل هي ممتدة الى عشرات بل مئات السنين.
انّ بعض الدول العربية شهدت في السنوات الأخيرة اعفاء بعض المتورطين في قضايا الفساد من مناصبهم لكن للاسف البالغ لم يتبعها اي شكل من اشكال الملاحقة القضائية. امّا المحزن بدرجة اشدّ هو انّ الكثير من بلداننا لا يكف مسؤوليها عن التشدق بأنها تمتلك احدث النظم الادارية في المحاسبة. لكن ما الفائدة اذا كانت مثل هذه القوانين معطلة؟.
انّ من العبارات الساخرة التي اضحت على كل لسان هي «انّ الموت وحده هو من يقيل المسؤول العربيّ» تدلل على استحالة اقالة اي مسؤول او على الاقل اعترافه بالمسؤولية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .