سرّنا بكل تأكيد أن تعلن المنامة عاصمة للثقافة العربية عام 2012م وأسعدنا ان تصبح عاصمة للسياحة العربية فيما بعد. وقد شهدت خلال عام كامل فعاليات ثقافية وبرامج وانشطة متنوعة وعديدة بصرف النظر عن تقييمنا لمستوى بعض تلك البرامج. انّ اختيار المنامة عاصمة للثقافة - حسب وزيرة الثقافة - حدثٌ ثقافي استثنائي كان نتيجة حتمية للتواصل الفاعل ما بين المكونات الثقافية في المجتمع ودليل مشاركة هذا البلد في صياغة معطيات فكرية عميقة واهليتها لتكوين بنية ثقافية”.
مدينة المنامة تقترن في مخيلة كل بحريني بوصفها المكان الذي شكلّ محطة لافراحهم ومباهجهم منذ بواكير العمر حيث كانت هذه المدينة الملتقى الذي جسّد احلامهم الصغيرة والكبيرة في آنٍ واحد. لكن السؤال ما الذي بقي من هذه المدينة اليوم؟ كنّا نتمنى لو انّ الفعاليات التي شهدتها المنامة طوال عام كامل أن لا تكون عابرة اي ترسخ هوية المنامة. وبعضها كان بالفعل كرّس مفهوم العاصمة كإقامة المركز الاقليمي للتراث العالمي والمسرح الوطني وتطوير باب البحرين بيد انّه مع مرور العام بقيت المدينة تنتظر فعاليات أخرى تعيد اليها بهاءها وحيوتها.
هذه المدينة كانت على مدى عقود طويلة تحتضن اصنافا عديدة من البشر ومن العلاقات الانسانية والتجارية. ورغم البعد المكاني النسبي في فترات من الزمن فإنها تمثل المكان الذي يستقطبهم نظراً لما توفره من مقومات المدينة الحديثة من اماكن الترفيه والاستمتاع التي لا توفرها اية مدينة اخرى ليس في البحرين وحدها بل حتى على المستوى الخليجيّ. ولذا كانت قبلة تهوي اليها قوافل من الاشقاء الخليجيين. ولعلّ ما كان يشدّ الخليجيّ الى المنامة العاصمة هو طيبة الانسان في البحرين الفطرية وعبقها المكان الخاص الذي لا يتوافر في أي مكان آخر من الخليج.
المؤسف انّ الكثير من معالم المنامة قد اضمحلّ او يوشك على الاحتضار. وعلى سبيل المثال كانت المنامة زاخرة بالمقاهي الشعبية التي شكلّت واحداً من ابرز ملامحها المميزة. والمحزن انه لم يبق من تلك المقاهي سوى اثنان او ثلاثة فقط بينما كانت في عقود الستينات والسبعينات وحتى ثمانينات القرن الماضي تضج بعدد كبير منتشرة في الاحياء والازقة كانت مقصدا للعديد من المواطنين والسائحين.
اليوم اذا كنت تنوي زيارة المنامة فإنّ عليك ان تتكبّد عناء البحث عن موقف أو الاضطرار الى الوقوف في احد المواقف ذات العدادات خارج المدينة وهو ما يجعل الكثيرين يحجمون عن الذهاب. اما الطرقات الداخلية للمنامة فقد بقيت كما كانت ابّان الستينات والسبعينات اي لم يجرِ عليها اي تطوير باستثناء جزء من باب البحرين. وفي غياب التخطيط السليم وشيوع الفوضى فقدت المنامة الكثير من وهجها حتى تحولت الى مدينة بلا هوية ولا لمسات جمالية.
وبرغم انّ الكثير من اهلها هجروها وفضلوا عليها السكن في مناطق اكثر هدوءاً الاّ انّها تظل تلك المدينة الجاذبة لشريحة من المواطنين لاسباب كثيرة من بينها اقتصادية وتاريخية.
غير انّ الذّي هو الاكثر التصاقاً بذاكرة البحرينيين هو ما عُرف عن مدينة المنامة بانها مصهر اجتماعيّ لكافة القاطنين فيها اذ كانت السمة الابرز لمنامة الخمسينات وما قبلها هو التعايش بين سكانها. لكن اليوم لا يعد الحال كما كان اذ تحولت بعض احيائها الى تجمعات لفئات من العمالة الاجنبية لا تنتمي لبعضها البعض ولا يجمعها رابط ثقافي ولا روحيّ او اجتماعيّ. بل غدت في السنوات الاخيرة مسرحاً للجرائم الاخلاقية.