انّ المتأمّل للدّراما الخليجية لا بدّ ان يتساءل بمرارة أين هي مشاكل الانسان الخليجي البسيط في هذه الاعمال ؟ ولماذا هي غائبة عن اعمال الكتّاب ونصوصهم ؟ ولا نعدو الحقيقة اذا قلنا ان الاغلبية من تلك الاعمال بعيدة عن الواقع المعيشي وكأنّ هؤلاء الكتّاب يعيشون في ابراج عاجية او كأنّهم مصفحون بطبقة سميكة لا تسمح لهم الاقتراب وملامسة هموم الطبقتين الوسطى والدنيا .
الاغلبية الساحقة من النصوص تصور الاجواء التي تعيشها الطبقة الثرية والدليل انّ مواقع التصوير تتركز في الفيلات الراقية بما تحتويه من اثاث فاخر وسيارات فارهة اضافة الى ماتحتويه من خدم وسواقين ..الخ . وكنّا نتمنى من كتّاب المسلسلات لو انهم اقتربوا من هموم الطبقة الفقيرة المتمثلة في الموظف البسيط ذو الدخل المحدود الذي يتراوح مرتبه الشهري بين المائتين والثلاثمائة دينار . وما يعانيه من ازمة بطالة وازمة سكن وديون تظل ملازمة له طوال حياته .
ومن البديهيّ ان يكون لابناء الطبقتين الدنيا والوسطى احلاما وآمالا واشواقا وتطلعات بغد اجمل وواقع يزخر بالرخاء كالاثرياء كما انّهم يحلمون بمستقبل مشرق لابنائهم تماما كالطبقة الثرية . انهم يتعرضون لظلم غير مبرّر من كتّاب الدراما لانكار وجودهم او تغييبهم عن المسلسلات .
انّ مشكلات هؤلاء تشكلّ معينا ثريا يمكن تناوله نظرا لحجم المعاناة التي يعيشونها وبالاخص صراعهم من اجل لقمة العيش . بدلاً مما هو سائد في الكثير من تلك الاعمال من تضييع وقت المشاهد بقصص مفتعلة لا تمّت لواقعه بصلة كابراز متعمد لمشاهد المعاكسات والغزل بحيث بدت باعثة على السأم والنفور . والخطورة هنا ما تعطيه من دلالة على الانسان الخليجي من انه يعيش حياة مترفة بلا مشاكل ناهيك عما يمكن ان ترسخه من صورة سلبية نتيجة لتراكمها عبر اكثر من نصّ .
انّ المشكلة كما نتصورها هو تقديم مجتمعنا الخليجي رجالا ونساء كما لو انه بلا قضايا بل انه يعاني الفراغ ويعيش البلادة والتسكع في المجمعات التجارية . ورغم ما تتكبده الدراما الخليجية الذي يمتد بعضها الى ثلاثين حلقة من مبالغ خيالية الاّ انّ المشاهد يخرج منها بلا هدف او رسالة محددة وضعها الكاتب نصب عينه او حتى خط دراميّ . ولن نتجنى على الواقع اذا وصفنا هذه الاعمال بالتهريج والسطحية والافتعال . والمشكلة لا تتعلق بمستوى الكتّاب والمخرجين لكنها كما نتصور بالقضايا المطروحة. ما يجب التنبيه اليه هنا اننا لسنا مجتمعا مثاليا خاليا من السلبيات لكن ما نطمح اليه معالجة الواقع وابراز سلبياته للتخلص منها .
وبحسب الباحث الكويتي الدكتور حمود القشعان فإنّ ما تعرضه الدراما الخليجية من مشكلات في المجتمع مثل شذوذ الفتيات والعلاقات المحرمة خارج اطار الزواج وكذلك تخصيص مسلسل يتناول انشغال بعض الاسر باعمال السحر والشعوذة لا يمثل الواقع بشكل صحيح وانّ غزارة هذه النوعية من الطرح تشكل خطورة بالغة تكمن في انها تجعل المتلقي يألف مع مرور الوقت صور الانحراف والشذوذ من خلال تخلخل القيم .
ونظرا لما قد تخلفه الاعمال الدرامية من اثار على العقل الجمعيّ فإننا كنا نتمنى لو انّ القائمين على هذه الاعمال الدرامية لو استعانوا بخبراء في العلوم التربوية . وفي هذا الصدد يشكل العمل الدرامي الكويتي “ الى أبي وأميّ مع التحية “ المنتج قبل سنوات استثناء بين هذا العدد الهائل من الاعمال الدرامية الخليجية .فقد حرص منتج العمل على الاستعانة بأحد التربويين لابرازه خالياً من الاسفاف . ولعلّ الكثيرين اليوم يتذكرون هذا العمل ولا يملّون مشاهدته .