العدد 1577
الخميس 07 فبراير 2013
هــــــؤلاء “الفــــوضويــــون” مــــاذا يريدون؟ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الخميس 07 فبراير 2013

الأرض المصرية باتت ساحة مفتوحة لكل الاحتمالات. وفي ظل الفوضى التي تجتاحها يظهر فجأة تنظيم جديد يطلق على نفسه اسم الكتلة السوداء. وكل الذي يعرف عن هذا التنظيم أنّه يسعى لتحرير الانسان المصريّ! وفي الاصل أنّ جذور هذا التنظيم تمتد الى ما قبل قرنين من الزمان وكان شائعا في الغرب تحت مسمى “الفوضويون”. ولعل ما يبعث على الغرابة انّ المنتمين لهذا التيار يعتقدون انّ الناس بطبيعتهم اخيار وبإمكانهم ادارة امور حياتهم دون الاستعانة بأحد. ولابدّ من التحرر من كل اشكال القهر والتحكم.
لابد من التذكير انّ اول ظهور لهم كان في عام 1789م وبالتحديد في المانيا. ولقيت الحركة تأييداً من بعض المفكرين لكنّ انتهاجهم للعنف اسلوباً قُوبل بالرفض القاطع. لكنّ الأخطر في حركة الكتلة السوداء كان اعتمادهم تصفية قادة الدول الرأسمالية لإسقاطها وإقامة الدولة المشاعية على أنقاضها. وذهب ضحية اعمالهم الرئيس الاميركي ماكينلي وآخرون من الرؤساء ورؤساء الوزارات في اوروبا. وتكرر ظهورهم عام 1991 في المانيا باحتجاج على حرب الخليج وفي عام 2008م جابو طرقات سانت بول الاميركية محطمين نوافذ البنوك والسيارات.
ومثلما زحف الفوضويون في أوروبا قبل قرنين من اليوم واقترفوا الجرائم البشعة وسفكوا الدماء هاهم يظهرون اليوم وأين؟ في القاهرة. ويبتلي الله ارض الكنانة بهذه الطغمة من الشباب المنفلتين من كل القيم والأعراف ويطلقون على انفسهم الكتلة السوداء. وإذا كانت الحركة قوبلت في اوروبا بالقمع الوحشي من قبل الحركات اليمينية واليسارية آنذاك فانّ السلطات الحاكمة في مصر لم تتصدَ لها بما يجب من حزم وقوة اذ شوهدت اعداد من هؤلاء تقتحم أحد الفنادق الكبرى بمصر وتجبر سكانه على النزول من غرفهم وتقلق راحتهم وتحيل اجازتهم الى كابوس مرعب. ويؤكد صديق من المملكة العربيّة السعودية أنّه عاش لحظات رعب حقيقية أما الذي يدعو الى الغرابة أنّ رجال الامن المصريين لم يحركوا ساكناً ازاء هذه الممارسات اللاانسانية!
التساؤل هنا ما هي خلفيّات “الفوضويون” الثقافية؟ الواقع يؤكد أنّهم بلا خلفيّات ثقافية ولا غيرها وبالتالي فانه يصعب الرهان على حركتهم في أي تغيير مستقبلي. بيد أنّ الذّي يبدو جلياً في ضوء الحركات غير المسؤولة التي قامت بها جماعة الكتلة السوداء انّ ثورتهم انتقلت بالعدوى كالجرثومة فمجرد ظهور حركة في المانيا أو الصين فإنّ المفروض أن تنتقل الى عالمنا العربيّ بالتبعية.
الظاهرة تذّكرنا بحركة الهيبيين في ستينات القرن الماضيّ من الشباب ذوي الشعور المتدلية والأظافر الطويلة والذين اضطرت حكومات اوروبا لرشهم بخراطيم المياه بعد أن ملأوا ميادينها الجميلة بالنفايات. انّ الحرية التي تطالب بها جماعة الكتلة السوداء هي حرية بلا ضوابط لاسيما انّ الذّين يرفعون راياتها مجموعة من المجانين لا يكادون يفرقون بين الحرية والفوضى.
لسنا بالطبع ضدّ الحرية اذا كانت تقوم على اكتاف المثقفين لكن لا احد يمكن ان يدعم حركة تنهض على فكر فوضويين ومشاغبين وأنصاف اميين. وثورة الخامس والعشرين من يناير التي فجرها شباب مصر التي اقتلعت نظام مبارك القمعيّ كانت ثورة تحمل تصوّرا للمستقبل ورؤية للغد ويستحيل ان تتبنى اعمالاً همجية كالتي اشرنا اليها.
ورغم ما تتخفى حوله جماعة “الفوضويون” الكتلة السوداء من (أهداف سامية) كما يزعمون إلا انّها تصنف بين الجرائم العلنية المكتملة الاركان. بالطبع لسنا خائفين على مصر من هذه الهجمة الوحشية فأبناء مصر قادرون على التمييز بين الثوار الشرفاء وبين الطارئين على الثورة. وأخيراً فإنّ اتباع الكتلة السوداء ليسوا سوى مجموعة من الفوضويين يمارسون هوايتهم الجنونية ربما طمعا في الشهرة على حساب الابرياء من مواطنيهم لكن الذّي يجب ان يعرفه هؤلاء أنهم ليسوا حقلاً للتجارب.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية