العدد 2210
الأحد 02 نوفمبر 2014
دمعة على الألقاب العلمية وأخواتها د. سعدالله المحمدي
د. سعدالله المحمدي
الأحد 02 نوفمبر 2014

من المؤسف حقّا أنّنا كثيرا مّا نُطلق ألقاب المدح والثّناء والمجد والتشريف والإجلال والنّباهة على من نُحبّه ونُجلّه، فنُثني عليه بجميل الصفات وكريم الشمائل ممّا يستحقّه أو لا، وكأننا نتمشّى مع الشاعر العربي الكبير أبي نواس في قوله:إذا نحنُ أثنينا عليكَ بصالحٍ... فأنتَ الذي نعني وفوق الذي نَعْني، وإن جرت الألفاظُ يومًا بمدحةٍ...  لغيركَ إنسانا فأنتَ الذي نَعني.
ونُنسب إلى من أحببناه العلوم الشتّى والمعارف العديدة ولو لم يكن له فيها ناقة ولا جمل، أو سهم وقوس، فنَصِفُ مثلا كلّ مَنْ مرّ مرور الكرام بفنّ من الفنون وعلْم من العلوم أنه حاز السبق والشرف فيه وأتى بما لم يأت به الأوّلون والآخرون، ونلقّبه حسب العلم الذي ينتسب إليه بالأصولي، الفقيه، المنطقي، النحوي، البلاغي، الفلسفي، المؤرخ، إن لم نضف كلمة الألمعي واليَلْمَعِي إلى اسمه.
وكذلك نطلق على كلّ من قرأ رواية أو روايتين أو نظّم قصيدة أو قصيدتين أو اطّلع على بعض الكتب المشتملة على مبادئ اللغة والأدب: الأديب، اللغوي على أقل تقدير، نصفه بشاعر المليون وأمير الشعراء، الذي يُشار إليه بالبنان وتُسلّط عليه الأضواء في كلّ مناسبة ومكان.
كما أننا نمنح صفة الكاتب البارع والصحافي اللامع، الذي لا يُشقَ له غبار، ولا تخمد له نار، لكلّ من نشر مقالا أو مقالين وكتب عمودا أو عمودين في جريدة من الجرائد أو مجلة من المجلات.
أمّا ألقاب الدكتور، والماجستير، ومتخصص، وأخصائي، ومفسرّ الأحلام على وجه الخصوص فيصدق عليها المثل العربي القائل “عش رجبا ترى عجبا” حيث إنها منتشرة في كلّ مكان ودون رقابة أو محاسبة أو خجل ومؤاخذة، فيتفضل بها مَنْ شاء على من شاء، وتمنحها الجامعات الوهمية والدوائر المنتسبة للعلم التي تشبه العنقاء في وجودها والتي لا يُعرف عنها إلا موقعها على الإنترنت وعنوانها البريدي فقط، تمنحها على أطباق شهية بجانب عدد من التّخصّصات النادرة والشهادات الجاهزة دون وازع أو رادع.
وفي المقابل نقوم بتجريد من نَكْرهه عن كلّ ما عنده من الصفات الحسنة والألقاب العلمية القانونية فإن كان دكتورا قلنا: “خليك عن الدكتور.. كلّ الناس دكاترة اليوم”، وحتى “غوغل” أحسن من أي دكتور في كلّ علم وفنّ! ولقد ولّى زمن “الدكاترة” بعد الثروة المعلوماتية، وغير ذلك من الجمل والكلمات التي تقلّل من شأن أهل الاختصاص والمعرفة في بعض مجتمعاتنا.
الحقيقة المرّة التي يجب الاعتراف بها أن درجة الدكتوراه أصبحت في كثير من البلدان كلا مباحًا فهي عبارة عن ورقة فقط حصل عليها صاحبها بأيّ شكل من الأشكال دون أن يتعب نفسه في طلب العلم والمعرفة حتى أصبح الأمر موضة وتقليدا واستعلاء بدلا من التكليف وخدمة الأوطان.
ومن أعجب الألقاب المضحكة المبكية التي مرّت بي في حياتي أن أحد المعاصرين في إحدى البلدان الآسيوية يلقّب نفسه بـ “شيخ الإسلام” ويكتبه على كتبه ومؤلفاته بكلّ فخر واعتزاز، ولا عجب فإن العَجم أهل مبالغةٍ في الأحكام كما يصفهم د. عائض القرني في كتابه المقامات: “إذا قالوا لك هذا مولنا شيخ الإسلام، وعالم الأنام، فاعلم أنه يحفظ ثلاثة أحاديث من بلوغ المرام، وإذا قالوا عن عابد: هذا بركة الزمان، ونور الأكوان، ووليّ الرحمن، فاعلم أنه لا يزيد على صيام رمضان”.
هذا جانب من الواقع الأليم وفي المقابل نجد العالم الرباني محدّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، يكتب على أغلفه كتبه: “خرّج أحاديثها محمّد ناصر الدين الألباني”، أو “بقلم محمد ناصر الدين الألباني”، دون إضافة أيّ لقب علمي أو تشريفي التي هي تتّشرف بالشيخ أصلا، وذلك تواضعا من الشيخ.. مصداقا لقول الشاعر: تواضعْ تكنْ كالنَّجمِ لاح لناظرٍ... على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ.
وللأسف الشديد أصبح العالم الإسلامي حاليا يهتمّ بالمظهر واللباس واللقب أكثر من الاهتمام بالنضج والتخصص والمعرفة، وبالشهادة والورق أكثر من العطاء والنفع، فأصبح الناس يبحثون عن الألقاب دون عناء وتطوير نفس للحصول على العمل والوظيفة والجاه والشهرة.. وهنا مكمن الخطر.
لقد تعرّفتُ إلى أحدهم كان يلّقب نفسه بـ “الدكتور” عند الحديث عن نفسه ويُظهر لنا اختصاصه علوم الإدارة التي أخذ فيها دورة لمدة أشهر فقط، وفي الأخير اكتشفنا أنه كان صاحب مهنة معروفة في بلده  لا حاجة إلى ذكرها.
وفي الأخير أود الإشارة إلى أن الألقاب التي نطلقها على الآخرين كما يقول بعض الكتاب هي شهادة وتزكية وفي إعطائها لغير أهلها ضياع للأمانة وغش وتلبيس بعباد الله وبلاد المسلمين وضياع لحقوق الناس وتترتب عليها مميزات مالية يحصل عليها صاحبها من غير وجه حقّ، أو ربّما بشهادةٍ يفضل أن تدعى بـ “شهادة الزور”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية