العدد 2183
الإثنين 06 أكتوبر 2014
هل بدأت خطط تقسيم العراق؟ (2) جواد غلوم
جواد غلوم
الإثنين 06 أكتوبر 2014

العالم المتحضّر الآن يتطلع إلى التوحيد مثلما نرى في الاتحاد الأوروبي الذي قاربت دوله المتحدة الثلاثين دولة كقوة اقتصادية لا يستهان بها، رغم تعدد لغاته وأعراقه، فعلى أية معايير يزن الأميركان والأوربيون الموازين، وأية قسمة ضيزى يقتسمون؟!
يريدون دولاً قاريّة لأنفسهم وكيانات عريضة تملأ الأرض وتتسع بنفوذها وقوتها لتصل الى أقصى تخوم المعمورة لتكتسح العالم كلّه ويستخسرون في بلادنا الصغيرة أن يلتئم شعبها بقومياته التي لا تتعدى اصابع اليد الواحدة وبمعتقداته التي تعدّ ضئيلة جدا ايضا فيما لو قورنت ببقية دول المعمورة، وتراهم يتغافلون ان العالم اليوم يتجه الى خلق كيانات دولية تتسم بالكوننة في زمن الانصهار والتقارب والالتحام الحضاري والفكري.
لا يغيب عن بالنا أن هناك عدة اسباب لترسيخ هذه الفكرة وأوّلها وفرة النفط في تلك المنطقة باعتباره المحرّك الرئيسي للآلة الأميركية والأوروبية الاقتصادية، وثانيها العمل على اضعاف بلدان المنطقة لأجل السيطرة عليها وبالتالي فرض ما تريد من سياسات تخدم مصلحتها وثالثها وهو الأهمّ؛ المحافظة على الوجود الاسرائيلي الذي تعتبره الولايات المتحدة والغرب الحليفَ الرئيسي وربما الأبدي لأوروبا وأميركا. وربما هناك اسباب أخرى لا تقلّ أهميّة عن الأسباب التي ذكرت آنفا وهي أن منطقتنا تقع على تقاطع طرق العالم القديم ومعْبراً مهماً يتيح للولايات المتحدة تهديد التنين الصيني باعتباره المنافس الأبرز والقوة النامية بشكل مهول في آسيا والشرق عموما.
إن مشاريع الولايات المتحدة وتطلعاتها المستقبلية لا تهدأ ولا تكلّ أبدا والشغل الشاغل لها أن تضع الحجر الأساس لسياساتها الجديدة في تشكيل الربيع العربي على هواها بمعونة أصدقائها وحلفائها في المنطقة وفي اوروبا وإذا اقتضت الضرورة ان تقوم باستخدام ذراعها العسكري وجيشها في تغيير الأنظمة فإنها لا تتحرّج أبدا حتى وإن كان تحرّكها يتم ّ بدون أيّ غطاء أو شرعية دولية مثلما حدث في التغيير العاصف والغزو الهمجي الذي شنّته الولايات المتحدة في التاسع من نيسان عام 2003 لتغيير نظام الحكم البعثي الدكتاتوري الذي صرع وصدع شعبنا بمطرقته ولكن سندان أميركا والدول التي تحالفت معها كان أكثر صدْعا.
هذه هي الولايات المتحدة التي يراها البعض ممن لا يغور عميقا في متاهات دروبها بأنها محررة الشعوب وزعيمة الديمقراطية والحريّة وهي المنقذ للشعوب الرازحة تحت ثقل الدكتاتوريات، لكن من يشمّ النفط ويسيل لعابه للاستحواذ على هذا الذهب الأسود سيرى أميركا باقية مادام هناك نفط تزكم رائحته الأنوف وتنتشر زناختُه بين ظهرانينا. أبهذا الشكل تتحول النعمة الى نقمة؟
لا تتعجلوا ايها العرب فلعبة التقسيم آتية إليكم لا ريب فيها مثلما اقتطع جنوب السودان الغنيّ بالنفط وصار دولة في لوائح الأمم المتحدة؛ سينسلخ اقليم كردستان العراق بعد بضع سنوات وربما أقل ونبكي على جبال العراق التي ستميد وتهدّ صخورا متناثرة على رؤوسنا بفعل ديناميت التقسيم وستتجزأ سوريا حتما بقاعا صغيرة هنا وهناك ولا ينجو لبنان الصغير الجميل من احياء متقطعة مستقلّة اسمياً لهذه الطائفة أو تلك ومن ثم تَحطّ هذه الخطط التقسيمية على ليبيا الممتدة الأطراف لينشأ في جبلها الأخضر إقليم “برقة” وفي صحرائها إقليم “سبها” وإقليم طرابلس وبنغازي ولا يهمّ ان كان سكّان ليبيا كلهم عربا متجانسين مسلمين ويدينون مذهبا واحدا وهو المالكي فالتجزئة تليق بالتحضّر الفيدرالي والكونفيدرالي الذي يلوكه سياسيونا العتاة بأسنانهم حينما يلفظونه وفقا للكنتهم الليبرالية.
كم كان رهاننا خاسراً حين عوّلنا على “منقذتنا” أميركا زعيمة الحريّة والديمقراطية وراعية التقسيم بنفس الوقت.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية