العدد 2182
الأحد 05 أكتوبر 2014
هل بدأت خطط تقسيم العراق؟ (1) جواد غلوم
جواد غلوم
الأحد 05 أكتوبر 2014

منذ أن دأبت الولايات المتحدة على ترسيخ فكرة “الفوضى الخلاّقة” على أجزاء واسعة من الوطن العربي المبتلاة بالدكتاتورية والتخلّف في مطلع الألفية الثالثة وبدأت العمل على زرع بذورها في العراق وسوريا ومصر؛ فاختارت أول الأمر التربة الخصبة لأكثر الدول العربية ديكتاتوريةً وأعتى الأنظمة خنقا للديمقراطيّة ورسمت خارطة طريق لشرق أوسط جديد تحقيقاً لنبوءة السياسي العجوز العتيد “زبغينيو بريجنسكي” والذي دعا قبل اربعين عاما الى تفتيت الشرق الأوسط وشرذمته؛ حيث قال إن هذا الشرق الأوسط عبارة عن مكوّن من جماعات عرقية ودينية متباينة لكنْ يجمعها اطار اقليمي ونريد ان يكون هناك شرق أوسط آخر يتحول الى كانتونات عرقية - طائفية يجمعها نظام كونفدرالي هزيل ويعمل على تشتيت الطوائف والفرَق والأعراق ليسهل تصفية أية فكرة قومية أو دينية توحيدية قد تظهر لاحقا وعلى هذا الأساس يمكن لإسرائيل ان تعيش في المنطقة بأمن واطمئنان وسط هذه الكيانات الهزيلة المتفرّقة اضافة الى سهولة حلب ضرعها الوافر من النفط والخيرات الهائلة الأخرى.
ولنا ان نتساءل؛ لماذا تلجأ الولايات المتحدة الى هذه الإجراءات والخطط البعيدة النظر وتحاول بكل جهدها تغيير الخارطة السياسية للشرق الأوسط والوطن العربي بالذات؟ والتي بدأت بالعراق لديكتاتوريته المفرطة وتهديداته المتكررة حتى يسهل قبول هذه الفوضى والاقتناع بذرائعها ومبرراتها، وفعلا نجحت بإزاحة اعتى انواع الديكتاتورية الصدامية في الشرق الأوسط وهلّل لها الكثيرون اول الأمر.
وحالما استقرّ بها المقام؛ عملت على ترسيخ الطائفية وفرز المكونات الحاكمة معها ثمّ اشتدّ أوارها على تأجيج ظاهرة الأقاليم من خلال اذنابها الأحزاب السياسية التي تعيث ببلادنا تفرقةً وتشتيتاً من خلال الاستعانة برجال دين طائفيين انعزاليين لا يعتصمون بحبل الله وجلّ همهم التفريق مخالفين بذلك أمر الله بالتآصر والتوحّد ضمن عراق واحد لتحقيق مكاسبهم الخاصة ورجال قبائل تلهف قلوبهم للأوراق الخضر ولا تنبض حبّا لبلادهم وكلّ ما عليهم هو توسيع دائرة الصراعات وإذكاء النزعات المذهبية لرعاياهم غير المدركين والغارقين بالتجهيل؛ والمؤسف انه اصطفت معهم زمرة من المثقفين الذين بدأوا يلوكون مصطلحات الفيدرالية والكونفيدرالية لترويجها في سوق السياسة العاهرة الذي فتح ابوابه لمن هبّ ودبّ من سياسيي الغفلة والناطقين الرسميين لهذه الفئة أو تلك بمعونة فضائيات رخيصة وصحف صفر وتظاهرات ملمومة جرّاء مقابل مادي لتجميع انفار من المنتفعين لقاء دراهم معدودة ومن الجهلة والمغسولة أدمغتهم او ترتيب اعتصامات ومنابر مشبوهة تدعو الى التفرقة واستحالة التعايش، يتحركون بإشارة من اصابع اليانكي الأميركي جو بايدن ذي الرحلات المكوكية بين الحين والآخر من بغداد الى اربيل وهو يخطط لكيفية تنفيذ الخطة التقسيمية (س) والخطة الأخرى (ص) ويلتفّ حوله سياسيون منتفعون وزعماء محليون من رجال الدين والقبائل لاستلام المقسوم جراء الترويج لخططه وإشاعة ان العراق بلدٌ مصطنع لابدّ من تقسيمه وكأنّ الولايات المتحدة موغلة في جذور التاريخ وهي من اسست حضارة سومر وبابل وآشور وأكد وشيّدت زقورات أور وأنشأت مكتبة بانيبال وكتبت القوانين في مسلّة حمورابي وأنهضت عاليا جنائنها المعلقة
ويتناسى زبانية البيت الأبيض كيف تمّ اصطناع ولمّ شتات أميركا بولاياتها التي تفوق الخمسين ولاية بدءا من شراء أراضٍ شاسعة تقدر مساحتها بحوالي مليوني كيلومتر مربع من فرنسا (ولاية لويزيانا بكاملها) في عهد توماس جيفرسون عام1801 اي ما يعادل 15 % من مساحة اميركا نفسها في صفقة استحواذ مساحات شاسعة وإلحاقها بأميركا وهي الولايات الحالية التي ضُمّت إليها: آركنسو وميسوري وآيوا وأوكلاهوما ونبراسكا وكانساس وأجزاء من مينيسوتا، فهل العراق هو البلد المصطنع؟ ام الولايات المتحدة التي مازالت طفلة رضيعةً لا تكاد تحبو وفق اعمار الحضارات الموغلة في القدم مثل بلاد أوروك التي نبتت فيها اولى الحضارات.
وهل علينا تذكير الأميركان ايضا بأن نصف مساحة ولاية كاليفورنيا كانت مكسيكية واقتطعت من بلدها الأمّ ناهيك عن تكساس التي سلبت عنوة وضُمّت الى الولايات المتحدة، وهل علينا ان نوفي الكلام اكثر فأكثر ونقول إن آلاسكا تمّ بيعها الى اميركا من قبل روسيا؛ وما على القارئ الاّ ان يحدد من هي الدولة المصطنعة ومن البلد الأصيل العريق الذي تريد الولايات المتحدة تقسيمه!
ويبدو ظاهريا أن أميركا التي نهضت عاليا فوق جماجم سكّانها الأصليين من الهنود الحمر وتنظيم هجرات الأقوام السود من افريقيا للعمل على بناء عالمها الجديد بالسخرة والاستعباد تريد ان تعلمنا لعبة التقسيم وان بلادي أضحت قابلة للقسمة على ايّ رقم إقليمي تشاء!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .