أعود للكتابة في الصحافة البحرينية بدعوة من صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، شرفني بها في لقائي سموه في مجلسه العامر الذي أحرص على زيارته كلما زرت البحرين، لأستمتع بجو الألفة بين الراعي والرعية، وللاستمتاع بشفافيته المعهودة ونظرته الشمولية والثاقبة لما يدور بالمنطقة من أحداث سياسية.
ذكرنا في مقالات سابقة أن من خطط ورعى ما سمي بالربيع العربي لن يقف مكتوف الأيدي بعد أن فشلت خطته لإحداث ثورات في منطقة الخليج العربي، الذي ظلت أنظمته متماسكة وصامدة أمام كل محاولات إشعال الثورات وتغيير الأنظمة، ومن الطبيعي أن ينتقل المخطط للخطة “ب” بعد فشل الخطة الأولى.
لقد أدى تأخر دخول الثورات لمنطقة الخليج إلى زوال اللمعان والبريق الذي بدأت به الثورات، فانكشف عوارها وظهرت حقيقتها البشعة، وتبين أن شعاراتها التي قامت عليها إنما هي شعارات زائفة لا تمت للواقع بصلة، وأن الآمال الوردية التي بنيت عليها، إنما هي سراب يحسبه الضمآن ماء، فلما وصل إليه لم يجد شيئا!
إطالة أمد الثورة السورية عبر تقوية طرفيها وتغذيتهما باستمرار، وإطلاق الإرهابيين من السجون العراقية عبر اقتحامها تباعا، وكذلك نشر الفوضى في ليبيا لكي تكون الجهة التي تغذي التنظيمات المسلحة بالسلاح في العراق وسوريا، هي العناصر الثلاثة التي خلقت الواقع الجديد الذي يهدد أمن الخليج اليوم، وليست هذه سوى الخطوة الأولى أو الفصل الأول من المسرحية التي أريد لنا أن نعيش فصولها.
إن بداية الفصل الثاني للمسرحية تتمثل باهتمام الولايات المتحدة وبريطانيا بداعش بل وتصدرها لجدول اهتماماتها، ودعم قوات البشمركة وحزب العمال الكردستاني لمواجهة داعش، وهذا هو واقع آخر جديد لم يكن معهودا من قبل، فمنذ متى تثق الولايات المتحدة بقوات البشمركة حتى تدعمها؟! وما هي المكافأة التي سيحصل عليها الأكراد مقابل هذه الخدمة؟ ولماذا تصمت تركيا وتكتفي بالتفرج على دعم غريمها حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه جهة إرهابية؟
ليس هذا ما يثير الاستغراب فحسب، بل أكثر ما يثير الاستغراب هو الصمت الروسي تجاه التحركات الغربية وهو الذي هزم الغرب في أوكرانيا حينما اقتطع منها إقليم “القرم” رغما عن أنف الولايات المتحدة وأوروبا الذين عارضوا بشدة، فيفترض أن تتوقع روسيا ردا غربيا ربما يكون في منطقة أخرى غير أوكرانيا، فما سر صمت روسيا تجاه الخطوات الأميركية في العراق وسوريا؟!
إذا كان الهدف من الثورات العربية هو تقسيم الدول العربية، فإن داعش تسير بهذا الاتجاه وبسرعة الصاروخ، حيث تمكنت من تهجير مسيحيي الموصل، ونكلت بالأيزيديين أيما تنكيل، وهي بذلك تجاوزت بمراحل الصراع “السني الشيعي” الذي ازدادت وتيرته بالمنطقة مؤخرا، ومن غير المستبعد أن تحصل هذه الأقليات على دويلات وتتعهد داعش بأن تدعهم وشأنهم مقابل منحها هي الأخرى دولة خاصة بها، فتنفرط سبحة التقسيم وقيام الدويلات ذات الأشكال الطائفية والعرقية في المنطقة، فيظل التوتر مستمرا في المنطقة وإن قلت وتيرته، فليس من المهم لدى واشنطن أن تشتعل المنطقة أو حتى تحترق بشرط عدم المساس بالكيان الصهيوني، فواشنطن قاب قوسين أو أدنى من الاستغناء التام عن نفط الخليج، مما يعني أن دول الشرق هي المتضرر الأول من التوتر في حال أصاب المنطقة، وبذلك ستظل الولايات المتحدة بعيدة عن دول الشرق التي كادت تقترب من منافستها.