قضية الجبر والتفويض، من القضايا العقائدية في الدين الإسلامي، وتوقع الكثيرون في تعقيداتها وملابساتها، وهي بحق قضية بشأن هل الإنسان مسير فتكون أخطاؤه وآثامه وذنوبه التي يرتكبها قهرية وعلى الضد من إرادته، أم هو مخير، فيكون تبعا لذلك مسؤولا عن كل ما يقوم به من خير وشر، ان ما تنقله مصادر الشيعة الإمامية عن قول منسوب للإمام جعفر الصادق من انه: “لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين”، يطرحه الكثير من الفقهاء والمفكرين الإسلاميين كحل وسط لهذه القضية المعقدة.
العودة إلى حديث وموضوع الساعة، أي نوري المالكي رئيس الوزراء “السابق”، وقضية إزاحته “الثقيلة جدا”، عن منصبه الذي كان متمسكا به كما لو أنه إرث أو حق خاص به دون غيره، تدعو الى التأمل كثيرا في هذا الرجل الذي أطل فجأة على المشهد السياسي العراقي وصار ظاهرة وأمرا غير عادي بالمرة، واختلفت وتضاربت التحليلات والمواقف والرؤى المطروحة بشأنه، خصوصا بعد أن كثرت وتنوعت خصوماته ومواجهاته مع مختلف الأطراف والأطياف السياسية، والذي يجب الانتباه إليه جيدا هنا، هو أن المالكي “رئيس الوزراء السابق”، صنف جميع معارضيه ومخالفيه ومنتقديه على أنهم أفراد وجهات وأحزاب مشبوهة معادية للعملية السياسية وللمصالح العليا للشعب العراقي واختار نهجا وأسلوبا سياسيا خاصا تميز بانحيازه وتبعيته الأكثر من واضحة لطهران.
التمعن في ولايتي المالكي “رئيس الوزراء السابق”، بخصوص النهج والأسلوب السياسي الذي كان يتبعه، تبين أن هناك فرقا واضحا بينهما من ناحية تبعيته وعلاقته بالنظام الإيراني، إذ هناك مؤشرات تدل على ذلك وتؤكد أن تبعيته وذيليته لطهران خلال ولايته الثانية “التي كانت حصيلة جهد خاص بذلته طهران وضمنت بها استمراره”، قد تجاوزت الحدود المألوفة، إذ إن استهداف كل الشخصيات والرموز العراقية المناوئة والرافضة لنفوذ النظام الإيراني، واستخدام القضاء وتسييسه وجعله وسيلة للضغط على الآخرين ودفعهم للرضوخ لمطالبه، قد صار ضمن برنامج رئيس الوزراء السابق، كما ان المجزرة المروعة التي أمر بها ضد سكان معسكر أشرف في 8 أبريل 2011، والتي اسفرت عن مقتل 36 وجرح قرابة 500 آخرين، يمكن القول عنها إنها كانت بمثابة عربون رد الجميل للنظام الإيراني على إعادته لكرسي رئاسة الوزراء لولاية ثانية، وبطبيعة الحال، فإن مخطط استهداف المعارضين الإيرانيين استمر على قدم وساق وبصورة ملفتة للنظر خلال الولاية الثانية وأسفرت عن اقتلاع اللاجئين الإيرانيين من معسكرهم ونقلهم الى معسكر آخر تعرضوا فيه الى أربع هجمات صاروخية، ناهيك عن أن مجزرة 1 سبتمبر 2013، التي راح ضحيتها 52 وجرح أكثر من 40 آخرين وتم اختطاف 7 أفراد، بمثابة رسالة تؤكد عزم طهران اقتلاع هؤلاء المعارضين من العراق، والذي دل على أن المالكي “رئيس الوزراء السابق”، أوعز وأمر بهذا الهجوم الدموي، هو التناقض في المواقف والتصريحات المعلنة بشأنها من جانب أطراف في الحكومة العراقية من ضمنهم الناطق بإسم وزارة حقوق الإنسان والمتحدث باسم الحكومة العراقية، بالإضافة الى تصريح مصدر أمني، حيث أكدت جميعها أن الهجوم كان قرارا حكوميا، لكن المشاهد المأساوية المروعة التي نشرت عن هذا الهجوم، دفعت حكومة رئيس الوزراء السابق لإعلان موقف تعرب فيه عن عدم علاقتها بما جرى في أشرف وتحميل السكان “من خلال لجنة تحقيق مشكوك في أمرها” السبب فيما جرى لحدوث خلاف فيما بينهم!
ونعود لقضية الجبر والتفويض، ونتساءل: هل كان المالكي “رئيس الوزراء السابق”، مسيرا في نهجه وأسلوبه السياسي أم مخيرا؟ هل يمكن أن نقول إنه كان مخيرا وكانت قراراته وليدة قناعاته الخاصة وبعيدا عن التأثيرات والضغوط الخارجية؟ هل من الممكن أن نتصور أنه قام بكل هذه الأمور بدون مشورة أو مطالب من جانب النظام الايراني الذي كان لآخر لحظة الحليف الرئيسي له؟ وتبعا لذلك، فإن هناك سؤالا آخر في منتهى الأهمية والحساسية وهو: هل يمكن محاسبة ومحاكمة المالكي “رئيس الوزراء السابق”، بأخذ قضية الجبر والتفويض بعين الاعتبار؟
الإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستحدد المصير الذي ينتظر رئيس الوزراء السابق للعراق.
إيلاف