ليس المهم أن يكون المرء ممتلكا لناصية الكلام و له باع في إلقاء الخطاب، لكن الاهم من ذلك بكثير هو من يملك القدرة على إيصال كلامه الى الآخر و يدفعه للإقتناع و الإيمان به، وكما هو معروف فإن عالمنا العربي قد إبتلاه الله سبحانه و تعالى بالكثيرين ممن يبرعون في إلقاء الخطب المنمقة الرنانة الطنانة و يدبجون و يزوقون في كلامهم على أمل إبهار المتلقي و السامع لها، غير أن الامر يختلف تماما مع سمو الامير سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، إذ وجدت نفسي و الحشد الذي يستمع الى كلامه البليغ و المؤثر، قد إمتلك شغاف القلوب و نفذ الى العقول و إمتلك ناصيتها بما طرحه من أفكار و طروحات مقنعة و بمنتهى الشفافية.
الحديث عن الاسلام المعتدل و الوسطي المتسامح في خضم البحر اللجي من الافكار و الطروحات المتطرفة التي تسود في المنطقة و التأكيد على أن جوهر و مضمون الاسلام كدين و كرسالة انما هو الدعوة للتسامح و الاعتدال و الرفق، كان من ضمن ماقد تحدث به الامير سلمان وهو حديث نكاد أن نفتقده في هذه الفترة العصيبة التي تهدد بآثارها و تداعياتها الخطيرة السلام و الاستقرار في المنطقة، رغم اننا يجب أن نلفت النظر الى براعة الاسلوب و واقعيته فيما يخص الاسلام المتسامح المعتدل، وهو أمر دأبنا عليه و سعينا طوال الاعوام الماضية الى لفت الانظار إليه، وقد وجدنا في كلام الامير بهذا الخصوص، الكثير من المعاني و التوجهات التي تصب صالح الامن و السلام و الاستقرار و مصلحة شعوب المنطقة وقبل ذلك يخدم الاسلام نفسه بأن ينزع عنه الشوائب و الادران التي علقت به من جراء دعوات التطرف و الغلو الغريبة و البعيدة عن روحه و جوهره.
الامير سلمان الذي إنتقد المد المتطرف الذي يجتاح المنطقة و أكد بأنه لايمثل الاسلام بشئ و لايتعلق به ولاسيما وانه يثير الرعب و الفزع و الدمار و الموت، في حين ان الاسلام وكما وصفه هو دين البناء إذ يبني الانسان و يوفر له الامن و الطمأنينة، وليس الخوف و الدمار كما يفعل المتطرفون الان والذي يناقضون نصوصا شرعية صريحة نظير(فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف)، حيث أن الاسلام الذي وصى بعدم إقتلاع شجرة و بالرفق بالحيوان كما جاء في أحاديث الرسول الاكرم”ص”، بأي حق تقوم هذه الفئات الضالة المضلة بذبح المسلمين أنفسهم بدعاوي و مزاعم يتبرأ الاسلام منها و منهم. لم يكن بغريب على الامير سلمان تناول مسألة الانتهاكات الاسرائيلية بحق الاماكن العربية و الاسلامية بفلسطين و التركيز عليها بصورة ملفتة للنظر، خصوصا وانه قد كان دائما لرجالات الملكة العربية العربية السعودية مواقف مبدأية مشرفة من القضية الفلسطينية بصورع عامة و من قضية الاماكن و المعالم العربية و الاسلامية في فلسطين بصورة خاصة وعلى وجه الخصوص مدينة القدس و المسجد الاقصى، وان تناول هذا الموضوع بالذات و التركيز عليه، يذكر العرب بعدوهم الخارجي الذي هو إسرائيل حيث لايجب أبدا التغافل عن هذا العدو و عدم الانتباه له و لما يقوم به من إنتهاكات وتجاوزات، ومثلما أن التطرف الديني هو فعل من أفعال العدو الداخلي لأمتينا العربية و الاسلامية، فإن ماتقوم به إسرائيل من عمليات تهويد و إستيطان و تخريب للمعالم الاثرية و التأريخية العربية و الاسلامية، فإن كلا الامرين يخرجان من ذات الجحر المشبوه وهو معاداة الامة و التربص بها شرا.
التأكيد على دور العلم و الثقافة في الحياة، وأهميته في تطوير المجتمعات و الاخذ بها الى مافيه الخير و الصلاح لأجيالها القادمة، كان محورا آخرا من محاور الحديث الشيق و الهام للأمير سلمان، بالنسبة لشعوب المنطقة التي يجب عليها في هذا العصر الذي يشهد تطورات إستثنائية و تقدما غير مسبوقا من النواحي العلمية، وان جنود الظلام و الجهل المتمثلين بالتنظيمات المتطرفة التي تسعى لقطع السبيل بين الدين الاسلامي و بين الثقافة و العلم على النقيض تماما من الذي يدعو إليه الاسلام و يصر عليه، فالاسلام لم يبني دولته و حضارته على أفكار و توجهات متطرفة و منغلقة على نفسها وانما بناها على العلم و الثقافة وان إلقاء نظرة على التراث الثر للعلماء و المفكرين المسلمين في مختلف المجالات العلمية و الفكرية و الثقافة، تؤكد بأن الاسلام هو دين الثقافة و العلم و يدعو دائما للعمل من أجل التطور و التقدم بمافيه الخير للبشرية كلها.
المعروف عن الامير سلمان، ثقافته الثرة و إطلاعه الواسع، بل وحتى أنه يتصل أحيانا بالصحفيين و الكتاب و يناقشهم و يدخل معهم في صلب المواضيع التي يتطرقون إليها فيبهرهم و يدهشهم بطروحاته و وجهات نظره الثاقبة التي يذكرها معهم، وقد لمست شخصيا هذه الحقيقة وانا استمع اليوم -في مقر اليونيسكو في باريس- للحديث المستفيض و الشيق للأمير حتى وانني لم أشعر بالوقت، وهذا مايحصل دائما مع الكلام الذي يخرج من القلب الى القلوب، بحق لقد كان الامير سلمان أميرا للكلام والثقافة.