العدد 2214
الخميس 06 نوفمبر 2014
وعد من لا يملك لمن لا يستحق عبدعلي الغسرة
عبدعلي الغسرة
الخميس 06 نوفمبر 2014

كانت البداية رسالة مشؤومة أرسلها “آرثر جيمس بلفور” وزير خارجية بريطانيا بتاريخ 2 نوفمبر 1917م إلى اللورد “ليونيل وولت ردي روتشيلد” تحوي تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وكان عددهم لا يزيد عن 5 % من مجموع سكان فلسطين، رسالة مازالت الخاصرة العربية تنزف دمًا بسببها وتعيش أوجاعًا من آثارها، نزيفًا لا يتوقف وأوجاعًا لا تنتهي. رسالة لخصت فكرة الحفاظ على مصالح دول أوروبا الاستعمارية في الشرق قبل الحملة الفرنسية على مصر حين وجه “نابليون بونابرت” خطابًا إلى يهود الشرق ليكونوا عونًا له في البلاد القادم إليها. ومع نهاية القرن التاسع عشر انتقلت فكرة الصهيونية التي تزعمها “تيودور هرتزل” من مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ.
وجاء في الوعد البريطاني المشؤوم: “إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهومًا بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى”. لقد تم تنفيذ هذا الوعد ولم يلتزم الصهاينة بما يتعلق بالحقوق المدنية والدينية للفلسطينيين من المسلمين والمسيحيين. وبعد إعلان هذا الوعد كانت فرنسا وإيطاليا وأميركا في مقدمة المؤيدين لهذا الكيان الغاصب واختلفت ردود أفعال العرب بين مندهش ومستنكر وغاضب. وتوافقًا مع الرسالة المشؤومة أرسلت بريطانيا رسالة خادعة إلى “الشريف حسين” تؤكد فيها “أن الحكومة البريطانية لن تسمح بالاستيطان في فلسطين إلا بقدر ما يتفق مع مصلحة السكان العرب “في الوقت الذي أصدرت أوامرها إلى الإدارة البريطانية الحاكمة في فلسطين بأن “تطيع أوامر اللجنة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين برئاسة حاييم وايزمان”. وتتلاقى خطوط المؤامرة بعد موافقة “المجلس الأعلى لقوات الحلفاء” على أن “يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين” وأن “يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ” في أبريل 1920م، وتلته موافقة مجلس (عصبة الأمم المتحدة) على مشروع الانتداب في 24 يوليو 1923م الذي دخل مرحلة التطبيق الرسمي، وفي 29 نوفمبر 1947م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروعًا يدعو إلى إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.
هكذا تحولت رسالة الوعد المشؤوم إلى حصن صهيوني تحرسه بنادق وأموال الغرب الأوروبي والأميركي، فقد تصرفت بريطانيا في حقوق لا تملكها، وفي قتل شعب فلسطين وتهجيره من بلاده، وفي اجتثاث هويتها العربية وفي سرقة تاريخها وحضارتها العربية، وأعدت لتحقيق ذلك مجموعة من المغالطات والأكاذيب الاستعمارية، وهي في نظر القانون والضمير الإنساني والتاريخ باطلة، وبالتالي بطلان كل ما ترتب مما يُسمى بالحقوق الصهيونية على أرض فلسطين، بجانب أن هذا الوعد يتعارض مع البيان الرسمي الذي أعلنته بريطانيا بعد صدور وعد بلفور والذي ينص على أن “حُكم البلاد يجب أن يتم حسب بمشيئة ورغبة سكانها، ولن تتحول بريطانيا عن هذه السياسة”، كما يتعارض مع مبدأ “حق تقرير المصير” الذي أعلنه الحلفاء وأكدته بريطانيا أكثر من مرة. لقد أعطت بريطانيا الحق لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين تحت ذريعة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.
97 عامًا من احتلال فلسطين ومازال الغرب الأوروبي والأميركي مستمرًا في بث الحياة في جسد الكيان الصهيوني، ومازال يتعامل بحقد وكراهية وبخداع لا مثيل له مع الأقطار العربية وحكوماتها، 97 عامًا والشعب الفلسطيني يُعاني من التهجير من أرضه والتشتت في الأقطار العربية والضياع في دول العالم. السلطة الفلسطينية وحماس تتنازعان على مَن يَحكم دولة تحت الاحتلال، وتتنازعان على الجلوس على كرسي لا أعمدة له ويتناسون ما يُعاني منه الشعب الفلسطيني بسبب نزاعهم على مكسب وهمي وهو مَن يَحكم فلسطين؟  بينما الحكومات العربية وقعت معظمها اتفاقيات الاستسلام والتنازل عن أرض فلسطين وبيع شعبها، وها هو شعبها يعاني الأمرين من قتل وتشريد وهجر ونسيان وضياع. فمن يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه فلسطين وشعبها؟  بريطانيا أم اليهود أم العرب؟ وهل حقًا ستعود فلسطين ويعود إليها شعبها؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية