العدد 2206
الأربعاء 29 أكتوبر 2014
خسائر كثيرة وتراجع أكثر عبدعلي الغسرة
عبدعلي الغسرة
الأربعاء 29 أكتوبر 2014

عادةً القمر عندما يكون هلالاً يكبر شيئًا فشيئاً ويصبح بدرًا ثم يعود أدراجه ليكون هلالاً، لكن الأحداث العربية تختلف عن هذه المعادلة، فالحالة العربية متأزمة منذُ قرون وهي تكبر شيئًا فشيئًا دون حدوث أي انفراج لها أو للتقليل من آثارها. وخسر العرب منذ مئات السنين بسبب استفحال الأحداث التي مادتها الكوارث العربية من سياسية ودموية العديد من المواطنين العرب وبتر أجزاء عديدة من التراب العربي، هذا مما زاد من الضعف العربي أمام تصاعد القوى المُضعفة لهم في كل الميادين. لقد فقد العرب بوصلة الهداية السياسية وسط العواصف الضاربة من أعدائهم ومن كل الجبهات، بجانب ما أحدثته الجبهات الداخلية من شرخ لم يتوقف نزيفه بعد.
ثورات عربية وانقلابات عسكرية كان نتاجها تسلم أشخاص لم يتدربوا على تحمل مسؤولية إدارة بلادهم، ولم تكن تعنيهم مصالح الشعب العربي، خاطبوا الناس باسم الحرية ورجموا كل من كان يُطالب بها، ووقعوا على المواثيق والعهود الإنسانية وكمموا أفواه من طالب بحقوقه الإنسانية، وتفننوا في التلاعب بالمصطلح الديمقراطي ودامت أنظمتهم الحاكمة لأكثر من ثلاثين وأربعين وخمسين سنة دون منازع، إنها ديمقراطية البقاء في الحُكم لمدى الحياة. واستطاعت ثورات الربيع العربي اختراق جدارية الحُكم مدى الحياة وصرخت بوجههم، لكنها لم تكن هي أيضا أمينة على الشعب والتراب العربي والثروات العربية بعد أن وقعت في أحضان الإسلام السياسي المتعطش للسلطة والدم وابتزاز كل شيء باسم الدين والحلال والحرام.
عجلة الزمن تدور وخسائرنا العربية تدور أكثر لتعمق أزماتنا العربية ولتزيد من خسائرنا وفجيعتنا بأرضنا وشعبنا وثرواتنا، مازلنا نحلم بماضينا المجيد وانتصاراته العظيمة وبأبطالنا العظام الذين سطروا ملاحم الانتصارات العربية، لكن أين نحن من أولئك، وأين خسارتنا من مكاسبهم. مازلنا نؤمن بأن الحرية سيدة المبادئ الإنسانية ولكن ما هي فائدتها في مجتمعات راكدة وبوصلة تؤشر نحو غياب عن الوعي وعن العصر الذي نحن فيه؟
الحرية ليست صناعة بشرية لكنها متجذرة في الإنسان منذ كينونته، تبدأ حريته معه وتنتهي بنهايته، وهي الباعثة والمكونة لقوته الضاربة في الحياة، ولها توقيتها الذاتي الذي لا تعرفه أجندات المشاريع التغيرية والأنظمة السائدة، ومع ذلك فإن النهضة العربية المعاصرة فاقدة لهذه الظاهرة بسبب ما ألمَ بها من أحداث ونكسات وهزائم، وعاشت بذلك في ظل عبوديات مزمنة للقوى الضاربة التي اخترقت قلبها ثم جسدها بأفاعيها السامة من جحور مستنقعاتها الغربية. وما بين فترة زمنية وأخرى يبتلي جيل عربي عندما يفتح الغرب أقفاصه لأسراب طيوره السوداء المدمرة لتعبث بهمجية بالمقدرات وسرقة ما تبقى من الثروات، وهكذا ما بين جيل وآخر لا يتحقق للعرب سوى الفظاعات غير المسبوقة لأحد من البشر والبلدان.
وسط هذه القوى الضاربة والفوضى المدمرة مازال العرب يتلقون الصفعات التي تصيب كل مشروع نهضوي في الصميم، فغادر العرب مشاريع التربية والتعليم الجادة، والصحة المرفهة، والتنمية الخيرة، والحرية والديمقراطية، وتربعوا على خرائب المشاريع الطائفية المدمرة والعرقية المحطمة، بأعلام الهوية الفارغة الكاذبة وإن اختلفت كلماتها وألوانها فهي تجر نحو أصنام لا تملك من أمرها شيئا. أصنام وضعت في خانة سوداء موبوءة تحركها العصائب الجاهلة لكل الأديان وسموها ومعانيها، عصائب ألغت كل شيء أبيض في الحياة.
هكذا أصبحت حياتنا العربية وتاريخها، حتى الأبيض منه بكى بدموعٍ سوداء، إن ما يعيشه العرب الآن هو إقرار صريح بفشل المشروع العربي النهضوي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعيش في حقبة القبليات البدائية تتغذى بجراثيم واقع الهزائم والانكسارات والتحولات السوداء التي تدعي إصلاح بعض الشؤون العامة العربية. إنه التراجع الذي بدأ ولن ينتهي توقفه، عصر يمتلك قوى مدمرة لنبالة الفكر العربي التي حولته إلى بنية من الكتلة الصماء البكماء، فتبدلت مسيرة الديمقراطية التي يطالب بها الشعب العربي إلى مسيرة مذابح الأعناق التي افتعلها رعاة عقيدة الموت الرافضة لكل قوى متجددة. حينما يخسر الجسد عقله لن يستطيع أن يتابع الحياة كما عاشها سابقًا أو يتمنى الأفضل بسبب ضياع الأفضل من الجسد الذي أصبح بمثابة بنيان من أسمنت ورمال وهياكل قاحلة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .