من أسس توافق السياسة البحرينية والتي أكدها عاهل البلاد جلالة الملك في مشروعه الإصلاحي “حرية الرأي والتعبير”، وأولت الدولة مساحة كبيرة لممارسة هذه الحرية التي تتفق مع المعايير الدولية المعتمدة لها وبموجب مجموعة الضوابط الموضوعة من قبل عدد من المنظمات الدولية المعنية بحريات الرأي والتعبير. وسعت الدولة جاهدة إلى تفعيل هذا التوافق من خلال السماح بتنشيط وسائل الإعلام المسموعة والمطبوعة والمرئية وبمساحة كبيرة من الشبكة الدولية للمعلومات “الإنترنت” وتنظيم الندوات والمحاضرات دون حظر أو قيد. ولكي تتحقق أفضل نتيجة لهذه الممارسة فقد وضعت الدولة أجندة إدارية وتشريعية وبشرية ساهمت بكفاءة عالية في تحقيق أهداف ممارسة حرية الرأي والتعبير ومختلف الحريات العامة في مملكة البحرين، وذلك تجسيداً للفقرة الأولى من الباب الرابع من ميثاق العمل الوطني حيث نصت على أن “لكل مواطن الحق في التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو أية طريقة أخرى من طرق التعبير عن الرأي”.
ولكن هل هناك ممارسة صحيحة لهذه الحرية؟
هناك مساحة ما بين الفهم لهذه الحرية وطريقة ممارستها، فكل ممارسة تتطلب ثقافة وتؤثر فيها عوامل كثيرة، وكلما توفر الوعي والإدراك مع وجود عوامل مساعدة أخرى تصبح الممارسة إيجابية لهذه الحرية والحريات العامة الأخرى. وهناك مجموعة من العوامل المؤثرة في الممارسة الصحيحة لحرية الرأي، نذكر منها: التكوين الثقافي للإنسان والإرث المعرفي والتراثي، التنشئة الاجتماعية والاستثمار الأسري المجتمعي الذي يوجد الكثير من المؤشرات الإيجابية المستقبلية لغرس المفهوم العام لحرية الرأي والتعبير، التعليم الذي يلعب دوراً كبيراً في تأصيل مفهوم حرية الرأي والتعبير، الدور الحقيقي لجمعيات المجتمع المدني (الأهلية والحقوقية والمهنية) في تعزيز مفهوم الحريات العامة، والخطاب الإعلامي الهادف الذي يتحمل مهمة ومسؤولية كبيرة في تعزيز ونشر ثقافة حرية الرأي والتعبير بين المواطنين.
تنتشر في مجتمعنا بعض الممارسات غير الصحيحة لحرية الرأي والتعبير، بل هي ممارسات سادية وأنانية لم تنبثق من الوعي والثقافة والتنشئة الاجتماعية الصحيحة، ولم تنطلق من المفهوم الحقيقي لمبادئ وأهداف حرية الرأي والتعبير، وقد تسببت هذه الممارسات السلبية في وجود مجموعة من الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية السلبية في مجتمعنا البحريني التي أثمرت مجموعة من الممارسات الخاطئة لحرية الرأي والتعبير كالتشبث بالرأي الفردي الذي يعلو على الرأي الوطني العام والمصلحة العامة، ومزيداً من التعصب وفقدانا للرؤية الحكيمة لمصالح المواطنين والبلاد، والتخاصم مع الآراء الأخرى، وغيرها.
إن الحرية تعني التعدد واحترام رأي الآخر ولا تتصادم معه، وأن تكون لي رؤية تخدم البلاد ومصالحها البعيدة عن مصلحة الأجندات الأخرى، علينا جميعًا أن نُؤمِن بالاختلاف مع الآخر حتى نتمكن من التعايش معه، فهل البعض يفهم هذه المعاني للحرية؟
لقد وُجِدَت الحرية من أجل الحفاظ على مَن يُمارسها وعلى جميع المواطنين وعلى البلاد، فالحرية أخيراً هي مساحة فكرية لا حدود لها تجمع الجميع في داخلها، الحرية هي الأرض التي يعيش على ترابها الجميع تحت ظل قيادة سياسية واحدة، بلاد يستظل بظلالها جميع المواطنين تحت شجرة كبيرة وافرة الظلال، بأوراقها التعايش، المحبة، احترام الآخر، التسامح، القيم والتقاليد، الالتزام بالقانون والاعتراف بسيادته، الدفاع عن هوية البلاد وسيادتها الوطنية، هذه هي الحرية الحقيقية التي تستحقها مملكة البحرين وشعبها، حرية توفر النعيم والرخاء لجميع المواطنين.