يحتفل المسلمون بعيد الأضحى المبارك في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة بعد الانتهاء من وقفة يوم عرفة في يوم التاسع من شهر ذي الحجة، وهو موقف إيماني جليل لحجاج بيت الله الحرام. وفيه ذكرى لقصة نبي الله إبراهيم الخليل “عليه السلام” عندما أراد تلبية أمر ربه بالتضحية بابنه إسماعيل “عليه السلام”، وعلى نهج هذه التضحية يقوم عدد من المسلمين بالتقرب إلى الله تعالى بالتضحية بأحد الأنعام وتوزيع لحمها على الأقارب والفقراء، ومن هنا جاء اسمه بـ “عيد الأضحى”.
بجانب أن العيد فرحة ولقاء ومحبة وصلة رحم وبر بالوالدين وجَمعة للأهل ولكنه أيضًا مليء بالمعاني العظيمة والجليلة ومنها أن أعيادنا لا تأتي إلا بعد عبادة شاقة ومتعبة، فعيد الفطر السعيد يأتي بعد صيام ثلاثين يومًا في شهر رمضان، ويأتي عيد الأضحى بعد أداء مناسك الحج، العيدان بمثابة جائزة من رب العالمين للمسلمين بعد أدائهم لعبادتي الصيام والحج، وهما ركنان من أركان الإسلام، ويعني ذلك ربط الأعياد بتحقيق الهدف والإنجاز.
إن العيد يوم فرح، ومن فطرة الإنسان حُبه للسرور والفرح، فالميل للترفيه من الحاجات المميزة للإنسان، لذا يأتي العيد لتحقيق هذا الهدف الاجتماعي وهو إدخال الفرح والسرور لتسكن فيه النفس وتفرح.
كما يأتي ارتداء الملابس الجديدة والتطيب بالرائحة الزكية، وتقديم العيدية النقدية للأطفال والفتيان والنساء، كما يتم إنفاق المال على الفقراء والمساكين والأيتام وذلك بشراء كسوة العيد وإطعامهم من طعام العيد، وإنفاق المال على الأهل والمحتاجين هدف اقتصادي واجتماعي نبيل.
العيد درس لتعليم روح الجوار بين الجيران والحي الواحد والقرية والمدينة الواحدة، وكأن ساكنيها يقطنون دارًا واحدة يظللها الإخاء الإنساني وتنتشر بينهم روح الأسرة الواحدة في البلاد الواحدة، فالعيد عنوان الأمة القوية، ولا عيد للأمة الضعيفة المهزوزة، تبرز الكتلة البشرية مجتمعة متميزة متحدة، ومبتهجة بعيدها غير آزفة عن الفرح والابتهاج. فتحقيق التقاء الكبار والصغار في بيت واحد وفي حي واحد وفي مكان واحد يجسد معنى الابتهاج والاتحاد والقوة.
إن العيد مدرسة تربوية على الجميع النهل منها والاستفادة من معانيها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والمالية والحياتية، فجمعينا يجب أن يبتهج ويفرح، واستحضار قوتنا التي هي مصدر عزنا وفخر بلادنا ومجد أمتنا، ولا يتحقق الاستقرار في البلاد إلا بالوحدة والأخوة بين أبنائها، فمهما اختلفت الوجهات والمرجعيات فالقاسم المشترك بيننا هي بلادنا ووحدتنا. إن التطور والتقدم لا يتم بالأماني الفارغة ولا بالشعارات الخاوية ولكنه يتم بالعمل المتواصل والجهد والبناء، فالعيد ليس مجرد شعائر تؤدى بل هو معان يجب أن نعيشها.
يأتي علينا العيد ونحن بصدد حاضر أليم تعيشه أمتنا، ومستقبل قاتم ينتظرها، وعدو غاشم يُكيد لها، ومؤامرات تحاك لأمتنا، قد نفرح بالعيد ولكن بفرحة ناقصة جراء ما يحدث في أقطارنا العربية من اقتتال وتدمير وحرق واحتلال، وما يؤسف في ذلك أنه يحدث باسم الدين والعقيدة، ومن يقومون بتلك الجرائم بعيدون عن أدياننا السماوية ومبادئها. هؤلاء القتلة استباحوا دماء البشر باسم الإسلام، ورفعوا راية الشر باسم الحق، وتلبسوا الشيطان باسم الإيمان. ولكن نقول لهم.. سنفرح بالعيد رغم كل ما حدث ويحدث، فاليأس ليس من مروءتنا، والضجر ليس من نبلنا، والملل ليس من أخلاقنا.
نحتفل بالعيد ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية الرابعة، المشاركة واجبة وسيسعى الجميع نحو التغيير، التغيير من أجل بلادنا وشعبنا، من أجل أن نكون قوة متحدة في قرارها، أصيلة في طريقها، نقية في عطائها. لنحلم بغدٍ مشرق، فلمَ لا نفرح.. عيدكم مبارك وكل عام وأنتم بخير.