العدد 2159
الجمعة 12 سبتمبر 2014
الميثاق العربي لحقوق الإنسان عبدعلي الغسرة
عبدعلي الغسرة
الجمعة 12 سبتمبر 2014

الأرض العربية مهد الديانات السماوية، وعبر تاريخها المُمتد لمئات من السنين نشرت مبادئ المساواة وقيم التسامح بين البشر، بجانب أنها كانت مركزًا تجاريًا بين الشرق والغرب، ومقصدًا للباحثين عن المعرفة والحكمة. الأرض العربية كانت ترابًا واحدا كما إنسانها العربي، تتمتع بمخزون بشري ونفطي وزراعي لا ينضب. كغيرها من جغرافية الكون التزمت الأرض العربية بمواثيق السِلم الأممية والعهود العالمية لحقوق الإنسان من سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ومهنية، وجسدت ذلك في العديد من مواقفها ودساتيرها، ومن ضمنها الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي ترجم المعاني السامية لإرادة الأمة العربية وشعبها العربي في إطار من الهوية الوطنية العربية وبانتمائه العالمي للحضارة الإنسانية المشتركة. ميثاق عربي الهوية يؤمن بثقافة التآخي والتعايش الإنساني، يترجم في مبادئه قيم التسامح والانفتاح دون إقصاء أو تمييز، يتوافق مع كل المواثيق والعهود الإنسانية الدولية، بل هو جزء لا يتجزأ منها، يترابط معها في الفكر والهدف، يَسعى لتأسيس مجتمع مدني قائم على الاتحاد بين الوعي بالحقوق والالتزام بالواجبات.
أعدت الميثاق العربي لحقوق الإنسان اللجنة العربية الدائمة لمجلس جامعة الدول العربية في عام 1985م، وأقره مجلس الجامعة في عام 1994م، وفي 23 مايو 2004م أقرته القمة العربية السادسة عشرة المنعقدة في تونس وذلك بعد تحديثه في شهر ديسمبر عام 2003م ويناير عام 2004م، ويحتوي الميثاق الذي دخل حيز التنفيذ في 16 مارس عام 2008م على (53) مادة إضافة إلى الديباجة، وصادقت عليه عشرة أقطار عربية من ضمنها مملكة البحرين، بموجب القانون رقم (7) لسنة 2006م. وتعد لجنة حقوق الإنسان العربية أول آلية تعاهدية عربية لمتابعة مسيرة حقوق الإنسان في الأقطار العربية الموقعة على الميثاق حيث تتشكل من سبعة أعضاء يتم انتخابهم بناء على خبراتهم ويعملون بصفة مستقلة عن دولهم.
ويُشكل الميثاق إحدى آليات الإصلاح في النظام السياسي العربي خصوصا في مجال احترام حقوق الإنسان، وأحق مجموعة من الحقوق المهمة التي تتماشى مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، مثل ـ حقوق المرأة، حقوق غير المواطنين، حرية التعبير والمعتقد الديني، الحق بالصحة والتعليم، استقلال القضاء والتمتع بالحرية والأمن... وغيرها من الحقوق.
ويتطلب من الأقطار الموقعة على الميثاق أن تحدث تغييرًا في قوانينها وسياستها بما يتماشى مع أحكام هذا الميثاق، وهذا ما أدى إلى تشكيل لجنة مستقلة عن الحكومات العربية بموجب المادة (45) من الميثاق للإشراف على تطبيق الميثاق في يناير عام 2009م، وهذه اللجنة تقوم باستلام تقارير علنية من الأقطار المصادقة على الميثاق. ونجاح الميثاق العربي يتوقف على مدى نزاهة وصدق الأقطار العربية ومنظمات حقوق الإنسان العربية في التعامل مع الميثاق، ويتجسد ذلك فيما تحمله التقارير السنوية المرفوعة إلى لجنة حقوق الإنسان العربية.
ومن أوائل الأقطار التي قدمت تقريرها الوطني الأول للجنة مملكة البحرين وذلك في عام 2013م، كما بادرت بدايةً بالترشيح لعضوية اللجنة. وتأتي مبادرة جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد بإنشاء محكمة عربية لحقوق الإنسان واستضافتها في البحرين لتكون رديفاً للجنة العربية لحقوق الإنسان في مجال إعمال أحكام الميثاق العربي لحقوق الإنسان.
وفي 1 سبتمبر 2014م افتتحت في مملكة البحرين “ورشة العمل التعريفية بالميثاق العربي لحقوق الإنسان وآلية عمله” تحت رعاية وبحضور وزير شؤون حقوق الإنسان وعدد من المسؤولين والشخصيات السياسية والفكرية والحقوقية. ويأتي انعقاد هذه الورشة ضمن خطة التوعية التي تنفذها الوزارة لعدد من القطاعات الرسمية والمجتمعية وتعريفهم بأحكام الميثاق. ويتوافق انعقاد هذه الورشة مع العناية والرعاية التي توليها القيادة السياسية لمبادئ حقوق الإنسان وتطبيقها، وخطت مملكة البحرين خطوات كبيرة وملموسة في هذا المجال من خلال التشريعات الوطنية وتأسيس مجموعة من المؤسسات والجمعيات الحقوقية، التي ساهمت في تعزيز وصون حقوق الإنسان وتطوير المنظومة التشريعية وتحسين بيئتها بما يتوافق مع حق الإنسان البحريني وكرامته.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية