يوماً بعد آخر وسنة بعد أخرى تثبت لنا الدول الأجنبية أن العلاقة بين أمتنا العربية وشعبها وبينها مجرد علاقة مصالح وأرباح واقتناص الفرص، فقد خدعت بريطانيا العرب عندما أمنت خوفهم وهدأت من روعهم بأنهم سيحلون وثاق السلطنة العثمانية من على رقابهم لتهبهم الاستقلال والسيادة لأقطارهم العربية، وبمجرد انتصارهم على السلطنة ألبست العرب وثاقاً بريطانياً وجاءت بسكينها ومزقت أوصال الوطن العربي. ومنذ عهد سايكس بيكو إلى عهدنا الحالي وما جرى لم تكن سوى معاول للهدم عاش فيها العرب عتمة الدهور من التبعية وفقدان السيادة والخنوع والخضوع لإملاءات الدول الغربية حتى أخضعت هذه الأقطار لسياساتها، وبعد أن خرجت منها عسكرياً كبلتها بمجموعة من الاتفاقيات تسهل لها الحركة في البلاد والسيطرة عليها سياسياً واقتصادياً، أعطتهم الاستقلال وكرست التقسيم، أوهمتهم بالسيادة وغرست الفتنة، أملتهم بالرخاء والرفاهية وتوحدت بثرواتهم، أوحت إليهم بالتنمية وكبلتهم بالديون الخارجية، وبهذه الاتفاقيات والسياسات الغربية أصبح العرب غرباء في أوطانهم، وفقراء في دوحة ثرواتهم، وبعد أن كان الوطن العربي سيداً في ترابه لا يعرف بين أقطاره حدوداً ولا سياجاً بين شعبه، يتنقلون حيث يشاءون ومتى يشاءون، أوجد المستعمر بينهم الحدود المصطنعة، وأسماء الدول المبهرجة، وجوازات تمهر للقادمين والمغادرين في أرض الوطن، وأسماء وهويات مختلفة شوهت الهوية العربية الحقيقية، فاستبدلت العروبة بالقطرية، والوحدة بالتجزئة، والدين الواحد بالمذهبية، وجعلت من الشعب الواحد مجموعة من الأقليات، وصولاً إلى تفتيت الوطن إلى أقاليم، جزء منه في الشمال وآخر في الجنوب وما بينهما جزءٌ في الوسط. فبعد احتلال فلسطين وقبلها الأحواز العربية ولواء الأسكندرونة وهضبة الجولان تم احتلال العراق وسرقت ثرواته، وتم تقسيمه إلى ولايات كردية وسنية وشيعية، فجال الأعداء في العراق باسم التحرير، وعاثوا فيها فساداً باسم الديمقراطية، وجنوا المغانم باسم إعادة الإعمار والتنمية. وباسم الحرية والديمقراطية وحماية الأديان تم تقسيم السودان إلى اثنين وصولاً إلى قطار الربيع العربي المنطلق من تونس فمصر واليمن وسوريا إلى الخليج العربي، سلسلة من التدخلات لا تهدأ وتفجيرات وفتن مذهبية وأخرى سياسية متتالية لا تنتهي.
لقد أتقن الغرب والولايات المتحدة الأميركية والعدو الصهيوني صياغة وكتابة مسرحية 11 سبتمبر وأتقنوا أكثر إخراجها في فيلم أسموه «الإرهاب»، وجعلوا من العرب أمراء للحروب التي خاضوها بالوكالة عنهم، وحولتهم واشنطن وعواصم الغرب إلى حراس ومخبرين لأجنداتها، فقد استفادت واشنطن كثيراً من تفجيرات المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية في العراق فقامت بنقل هذه التجربة إلى القاهرة. واليوم تستخدم واشنطن وعواصم الغرب ورقة أخرى من أوراقها المخفية، ألا وهي «داعش»، ولنتساءل.. من هو المستفيد من هذا التفتيت؟ هل الوطن العربي أم شعبه؟ أم تنميته أم ديمقراطيته؟ وعند الإجابة على هذا السؤال نستطيع فهم لعبة الغرب في تفتيت الوطن العربي؛ ونستطيع أن نعرف لماذا واشنطن وعواصم الغرب والعدو الصهيوني يهتمون بإحداث مصاعب ومتاعب ومصائب لأمتنا العربية، وإحداث الزلازل الجغرافية بأقطارنا العربية كتقسيم العراق إلى مجموعات عرقية ومذهبية ودينية مبعثرة مشرذمة، بناء دولة مذهبية وأخرى عرقية تحت ستار «حق تقرير المصير» وأخرى دينية إسلامية ومسيحية. وهي بدايات لحرب تفتيت ما تبقى من الأقطار العربية، لعيش أدكن حياة الوهن والضعف في ظل أنظمة لا تبذل أي جهد حقيقي لبناء مقومات الاستقرار والتنمية ورهنت وطنها للمساعدات الخارجية، وفي وقت تعيش أقطارنا العربية حالة من التطرف الديني المتعجرف يجتاحها ويمارس فيها الهدم ويسود التكفير والتشدد المتطرف. وهي حالة لجزء من اللعبة الخارجية وأداة من أدوات الاستعمار، والجهة الأولى المستفيدة من هذا التفتيت إضافة إلى خفافيش الظلام. فعلينا أن نحذر من هذه المعاول ومن هذه الحركات ذات المرجعيات المرتبطة بالهدم والتفتيت، هذه الحركات والمرجعيات الأجنبية التي تتقن صناعة ظاهرة المجاهدين والمناضلين بأموال النفط العربي، هذه العواصم المستفيدة مما يحصل في وطننا العربي تستخدم أبناء هذا الوطن للعبث بوطنهم. فعلينا الحذر ثم الحذر فاللعبة كبيرة وخبيثة، فلنحذر جيداً حتى لا نكون في موقف لا ينفع فيه البكاء على اللبن المسكوب.