العدد 2222
الجمعة 14 نوفمبر 2014
سياسات كسيحة وتماسيح مفترسة عزيز الحاج
عزيز الحاج
الجمعة 14 نوفمبر 2014

أينما نتلفت في الساحة الدولية - خصوصا في الشرق الأوسط - نواجه أزمات حادة وأعمال عنف وحشية وانتهاكات مروعة لحقوق الإنسان ولحقوق السيادة... وكيفما قلبنا وفتشنا وحللنا، فلابد من أن نجد قاسما مشتركا بين مجموع هذه الأزمات والكوارث، وعلى الأخص دور السياسات الكسيحة وشبه المؤدلجة لإدارة أوباما، التي تجر معها مواقف الاتحاد الأوروبي. وعلى صعيد مقابل، فإن المستفيدين من هذه السياسات والذين يستثمرونها للهيمنة والتمدد والعدوان مجموعة تماسيح كاسرة مفترسة، كبيرة، وتماسيح صغيرة مرتبطة بالكبيرة بدرجة أو أخرى، ومباشرة أو غير مباشرة. والوحوش الكبرى هذه هي روسيا بوتين والصين ونظام الفقيه والإرهاب الجهادي، بكل تفرعاته ومذاهبه وأسمائه، ولاسيما وحش داعش.
التماسيح الكبرى بينها صلات وعلاقات مختلفة ويساعد بعضها بعضا رغم تعدد الغايات، وهو مما يجعل الأزمات الدولية مترابطة وأية محاولة للعزل بينها تزيد الأزمات حدة وشراسة وتعقيدا، وقد يتعاون تمساح كبير مع آخر في فترة ما ولحسابات معينة، ولكن قد ينقلب عليه إن اقتضت المصلحة ذلك كما تفعل مثلا إيران.
لقد استغل بوتين السياسات الغربية الكسيحة ليعتدي على أوكرانيا وينهب شبه جزيرة القرم وليضع اليوم يديه عمليا على شرق البلاد. وها هو يرسل مزيدا من الدبابات والجنود لتلك المناطق أمام أنظار أوباما وقادة الأطلسي، الذين لا يردون بغير عقوبات تخدش ولا تردع أو تسترجع أرضا وشبه الجزيرة - وهذا بينما تتدفق الأسلحة الروسية على نظام الأسد ليفتك بالمزيد من الآلاف السوريين، فيما لقاءات لافروف وكيري لا تنقطع.
في سوريا تجتمع التماسيح الكبرى والصغرى “حزب الله، الميليشيات الشيعية العراقية وغيرها” لتدمير البلد وإبادة الشعب، ولكل حساباته.
الصين تشارك روسيا في تعطيل مجلس الأمن حول القضية السورية وتدعم نظام الفقيه وكل الديكتاتوريات وتسحق حقوق الإنسان الصيني. وهي تهدد جيرانها باستمرار. ولكن أوباما وجه مركز ثقل سياسته الخارجية نحو جنوب شرق آسيا، ساعيا لعقد شراكة استراتيجية مع هذه الصين.
وتبقى الرابح الأكبر من السياسات الكسيحة إيران. فرغم كل مناوراتها حول النووي منذ سنوات طويلة ورفض التراجع في أهم المفاصل الحساسة في المشروع “كالتخصيب وعدد أجهزة الطرد ومنشأة آراك والتفتيش الدولي”، ورغم استمرار نشاطها التخريبي في المنطقة كلها، فإن أوباما ممعن في هوس التوصل لاتفاق نووي معها، متعكزا على القشة إن توفرت! وفاصلا بين الموضوع النووي وقضايا المنطقة ذات الصلة بالتدخل الإيراني، خصوصا حربها ضد الشعب السوري. ودورها في العراق واليمن ولبنان. أوباما يواصل مد اليد ويرسل رسالة سرية بعد أخرى لخامنئي، الذي لا يجد ما يستدعي جوابا! رسائل سرية، أي بعيدا عن أنظار المجتمع الأميركي وحتى عن الكونغرس.
الرسالة الأخيرة تقترح مقايضة الاتفاق النووي بالمشاركة الإيرانية في محاربة داعش في سوريا والعراق. ولكن هل يعقل انه غير مطلع على حقائق كبرى عن العلاقة الإيرانية بالقاعدة، وعما يفعله الجنرال سليماني اليوم في العراق باسم محاربة داعش!؟ هذا، علما بأن استراتيجية أوباما المعلن عنها لا تتحدث عن القضاء على داعش بل عن وقف زحفه وإضعاف قدراته.
محمد العدناني، الناطق باسم داعش في سوريا، سبق ان كشف في رسالة مسجلة قبل شهور عن العلاقات القديمة بين إيران والقاعدة، وكيف أن داعش يقرر عدم الإضرار بإيران. وإيران تعاونت مع القاعدة في العراق لمدة سنوات وسنوات لتفجير الحرب الطائفية ولمشاغلة القوات الأميركية ولتفجير العراقيين يوميا. إيران، التي ترسل سليماني لقيادة القوات العراقية ضد داعش “كما تعلن وسائل إعلامها مع الصور”، تعمل فعلا على تشكيل جيش مواز للجيش العراقي يكون طائفيا بحتا. وهذا قد يفسر أيضا سبب عدم تزويد عشيرة ألبو نمر بالسلاح ليكونوا وقودا لنيران داعش. والجيش الموازي هو أيضا مشروع سليماني في سوريا. وإيران، التي تنسق عمليا مع واشنطن في العراق ضد داعش، حتى أن سليماني صرح قبل أيام “الأرض لنا والسماء لهم”، هي نفسها التي تعارض مع روسيا غارات التحالف على الإرهابيين في سوريا خشية حدوث ما يؤدي لسقوط الأسد رغم أن اوباما يصرح علنا بأن إزاحة الأسد ليست ضمن همومه.
وفي إيران تسحق يوميا حقوق الإنسان وتتزايد الإعدامات ومنها إعدام النساء، وآخرهن ريحانة جباري، التي أعدموها لأنها دافعت عن نفسها ضد رجل أمن زنيم حاول اغتصابها بالقوة. كما أن سليماني كان هو وراء عمليات قتل وخطف لاجئات ولاجئي أشرف وليبرتي في العراق، والحصار الطبي القائم على معسكر ليبرتي، مما أدى لوفاة 22 لاجئا مريضا من مجاهدي خلق. وكانت الضحية الأخيرة قد منعت مرارا في ليبرتي من دخول المستشفى رغم إصابتها بمرض خطير، وعندما أجبروا على نقلها إلى ألبانيا، كان ذلك متأخرا حيث توفيت منذ أيام قليلة.
إذا، فهذه هي إيران التي يعتبرها أوباما مفتاح المنطقة والاتفاق معها رمز ولايتيه. رغم كل الانتهاكات ورغم كل تراكم قدراتها النووية الكافية لصنع القنبلة منذ سنوات، وحتى في عهد البرادعي، كما كان قد صرح هو نفسه لصحيفة الشرق الأوسط.
إن الانتخابات الأميركية الأخيرة كانت ردا قويا على سياسات أوباما الخارجية، التي أنعشت وقوت أطراف العنف والعدوان وصفعت الحلفاء وأضعفت ثقتهم بواشنطن. ومع ذلك، فقد يناور ويغالط للالتفاف على الكونغرس نفسه.
فليترك المنطقة لأزماتها ومحن أهلها، ومنها تراجع القضية الفلسطينية... ليترك المنطقة لإيران وقنابلها القادمة، وليركض هذه المرة وراء الصين، والله من وراء القصد!. سياسات كسيحة وتماسيح مفترسة

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .