أخيرا، بادرت الطائرات الأميركية المقاتلة والطائرات التي بلا طيار إلى قصف مواقع لقوات داعش الإجرامية بالقرب من أربيل والموصل.
إنه تدخل عسكري محمود ومرحب به، وهو سيحسب لأوباما برغم كثرة أخطائه، لاسيما لو استمر ولم يتوقف حتى إلحاق خسائر كبرى وقاتلة بداعش وتمكين قوات البشمركة والقوات الحكومية من تحرير الأراضي المحتلة والمستباحة. ومع هذه الغارات، كانت مبادرة استخدام الطائرات لإغاثة المحاصرين من الأيزيدية بمواد الإغاثة بعد وفاة مئات منهم من الجوع والعطش والمرض.
لو استمر هذا الموقف العسكري الأميركي بلا تردد، لكانت لذلك انعكاسات مهمة في المنطقة لصالح القوى التي تحارب داعش، وأيضا من يحاربون أنظمة الطغيان التي ساهمت في تمهيد السبيل لبروز داعش والعبث بالدول والناس وتنفيذ الجرائم بحق الإنسانية.
كنا، حتى أمس، نكتب مقالات متتالية عن الدور السلبي لسياسات أوباما في المنطقة، لاسيما، وابتداء، بالموقف الأميركي في سوريا وترك النظام السوري يقتل مئات الآلاف ويهجر الملايين بدلا من العمل، منذ الشهور الأولى للحراك الشعبي السلمي، من أجل تبدل سلمي بلا بشار الأسد. فالتردد والانكفاء الدوليان، والأميركيان بالذات، في سوريا ساعدا على تدخل إيران وروسيا وحزب الله وقوات المالكي، وأيضا، على تسلل القاعديين تدريجيا، وبمتخلف أصنافهم. ولم نسمع عن داعش في سوريا في العامين الأولين للثورة السورية. ومهما يكن، فأن تأتي الخطوة متأخرة خير وأنفع من ألا تأتي. وهو ما سيحسب لأوباما. ولا شك في أنها ستزيد معنويات أعداء “داعش” ومن يقاتلونها قوة وثباتا.
أما في العراق، فإن ما راح يسمى بداعش فهو من بقايا مجموعات الزرقاوي “وهو من استخدمته إيران وسوريا للتدمير والقتل في العراق”. وكان لقيام الصحوات دور استثنائي لدحر القاعديين، الذين ظلت بقاياهم متوارية ونائمة هنا وهناك. ولم يبرز نشاطهم مجددا إلا بعد أن خلقت سياسات المالكي لهم أرضا ممهدة، وتدريجيا، وذلك حين قلب ظهر المجن للصحوات، وهاجم الاعتصامات السلمية في الحويجة والأنبار، وفيما بعد، سحبُ القوات ودخول الإرهابيين للمدن. أما ما حدث من الانتشار والاحتلالات الداعشية منذ دخول الموصل، فقد كتبنا كثيرا، وتحدثنا عن دور عدم مبالاة المالكي بالتحذيرات المتكررة من مخاطر الإرهابيين في مدينة الموصل. ومنذ ذلك الوقت، وبرغم دخول العراق في جحيم حقيقي، فإن المالكي لا يريد الاتعاظ والاعتراف بدور سياساته ومواقفه، بل يصر على التشبث بالسلطة، مدعوما من منظومة كاملة أنشأها من قوات ومؤسسات ومنتفعين من كل الأنماط، بل ويهدد بالجحيم مع أن العراق صار بالفعل جحيما.
وسط هذه المآسي والمجازر التي تمر بالعراق، يأبى صناع التلفيق إلا أن يفبركوا معلومات قد يصدقها قليلو المناعة، وقد تؤثر على المعنويات وتثير الشكوك والبلبلة. فقد نشر موقع “الفرات” العراقي تقريرا زعم أنه استعراض لبعض ما ورد في كتاب هيلاري كلينتون. قال الموقع، “الذي نقلت عنه جهينة نيوز ونشرة المجلس المركزي في السليمانية ومواقع عراقية أخرى”، إن الكتاب ينص على أن الأميركيين كانوا يعدون لقيام وإعلان دولة الخلافة في المنطقة في 5 يوليو 2013، وصولا لسيناء لولا الحراك المصري الذي اسقط الإخوان. ويزعم الموقع أن الوزيرة السابقة كتبت أنها زارت 112 دولة وأن دول الاتحاد الأوروبي وغيرها كانت مستعدة للاعتراف بتلك الدولة الإسلامية! أما الهدف، فهو السيطرة الشاملة على المنطقة ونفطها.
بعبارة، إن داعش صناعة أميركية ـ ومنهم من كتب أن السفارة الأميركية في أنقرة هي من يوجه داعش في العراق. ومنهم من تواضع فتحدث عن دور ضباط المخابرات الأميركية في تصنيع داعش. ويظهر انه في مصر أيضا، ولأسباب سياسية، ظهرت تقارير مفبركة عن كتاب هيلاري كلينتون.
لقد رد سفير العراق السابق سمير الصميدعي في واشنطن على ما نشر في العراق والذي أثار، كما يظهر، بلبلة في أربيل اثر إعادة النشر. ويقول الصميدعي إنه قرأ الكتاب ولم يجد فيه شيئا مما زعموا أنه وارد فيه. كما ردت في مصر الكاتبة منار الشوربجي، التي قرأت الكتاب. وكان مما أوردته أن هيلاري لم تكن وزيرة في التاريخ الذي قيل إنها حددته لإعلان الخلافة، ولا يعقل أن توافق أميركا على قيام دولة الخلافة الإرهابية على حدود إسرائيل. ونقول من جانبنا إن الغرب قلق من مجرد عودة جهاديين كانوا في سوريا أو العراق، فكيف يوافق على قيام داعش وأمثاله؟! والغارات الأميركية الحالية تفنيد عملي دامغ لتلك الفبركات، التي لها مقاصد سياسية وإعلامية. وإذ نقول هذا، فإن الحقيقة تبقى أيضا وهي أن السياسات الأميركية الانكفائية والمترددة والمتناقضة في سوريا ومداراة إيران، زارعة الإرهاب والفوضى، تتحمل مسؤولية خاصة عن خلق المناخ الذي ساعد على تسلل وغطرسة داعش. وأخيرا، فإن الكتاب يكشف أن الوزيرة كانت تنتقد بعض سياسات أوباما في المنطقة، ولاسيما في سوريا ومصر. فهي كانت مع تزويد المعارضة السورية بالسلاح، وتشك في دور الإخوان المسلمين، وفي التفاوض مع طالبان. في 9 أغسطس 2014: كتب مثقف عراقي قبيل الغارات بساعات أن أميركا تنصلت من التزاماتها العراقية. أما رمز اليساروية المتطرفة العبثية، المتضامنة مع الإسلاميين، روبرت فيسك، فقد أدان الغارات متناسيا أنها جاءت بطلب رسمي من العراق وتحت ضغوط أوروبية وداخلية، لاسيما بعد ما اقترفته عصابات الإجرام الظلامي من مذابح وسبي للنساء، وما تعده من مخططات إبادة. وبخصوص “التنصل”، فإن من تنصل حقا من وعوده والتزاماته هو المالكي، الذي يرى الكاتب وجوب بقائه حتى نهاية العام. إنه هو من أراد خروج القوات الأميركية حتى قبل عام 2011، وهو من رفض الإبقاء على قوات أميركية فعالة بعد الانسحاب. وهو من تنصل من بنود دستوره الممسوخ حين رفض نتائج انتخابات عام 2010 وحين أخضع كل المؤسسات التي نص الدستور على استقلاليتها، وهو من أدار ظهره للصحوات وأيضا لالتزاماته تجاه اللاجئين الإيرانيين. وهو من يصر، والعراق يحترق، على البقاء في السلطة، ويُخرِج مظاهرات في بغداد تحت شعارات “المالكي خيارنا”، أين غابت المسؤولية الوطنية؟.
إيلاف