العدد 2216
السبت 08 نوفمبر 2014
أيـــن عــاشــوراء زمــــان؟! فاتن حمزة
فاتن حمزة
رؤيا مغايرة
السبت 08 نوفمبر 2014

عندما كنت طفلة كان لي رفاق في المدرسة وفي الحي من الطائفة الشيعية، كنا نلعب ونأكل ونذاكر معهم بحب ونزور بعضنا بعضاً ونقضي أوقاتا في غاية الروعة، ربطتنا معاً أجمل الذكريات، كان كل منا يحترم طقوس الآخر ومعتقداته، ويتفهم دينه وعاداته بدون تمييز أو تنقيص، وفي مواسم عاشوراء كنا نعاونهم لإحيائها ونجهز معهم استعداداتهم وننظم سوياً مواكب العزاء.
كنا أكثر وعياً وقدرة على التعايش والتعامل بحب ومودة ورحمة، كانت تجمعنا القيم والمبادئ والوحدة والمُثل العليا وهذا ما أودعه ديننا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وما ألهمه الإمام الحسين لنا من قيم ربانية، لتكون دروسا نتعلم منها فن التعامل مع الآخر ونحرص في الاقتداء بحسن كلامهم ونقائه، دروس ملأت صفحات التاريخ جسدت أسمى معاني التآلف وسطرت أصول الترابط بين البشر رغم اختلاف أديانهم وعاداتهم وتقاليدهم.
للأسف أصبحنا اليوم نتخوف من قرب موسم عاشوراء رغم أنه موسم كان من المفترض أن يكون لتهدئة النفوس وتطهيرها، وذلك لما يترتب عليه من تخريب وإرهاب من بعض المتعصبين الذين يستهدفون أمننا ويسعون لإثارة الفتنة، فهم يتربصون لاستغلال اللقاءات والتجمعات للشحن والتحريض وتسييس بعض الشعارات والهتافات واللافتات على الشوارع بعبارات تكفيرية وأخرى مستفزة للنظام والبعض يستغلها للسب والشتم، يظنون أنهم يحسنون صنعاً محولين هذه الأيام لأيام عصيبة تنتشر فيها الفوضى والكراهية، وكأنها خصصت لاستثارة الفتن، غاضين أبصارهم عن الرسالة الحقيقية التي كان من المفترض ترسيخها لتعميق الحب والسلام والصفح والتسامح والخير.
الدور الكبير هنا يأتي على عاتق أصحاب المآتم للوقوف أمام من يسعى لاستغلال المناسبة في خطب الشتم ونشر التعصب والأحقاد، وأن يقدموا النصح لهم لتكون هذه الأيام فرصة لطمأنينة النفس بأجواء تحفظ السلامة والأمن للجميع.
وللدولة دور أيضاً في مراقبة هذه الشعارات سواء في موسم عاشوراء أو بعده، فالكثير منها علق لأهداف استفزازية مستوردة مقلدة يراد بها الإساءة للآخر والإعاقة لمفهوم حرية الأديان والتعايش، بالإضافة إلى التضخيم الإعلامي لأهدافهم البغيضة التي يحاولون خلالها تحقيق مصالهم السياسية التي وللأسف أصبحت بعيدة وغير خالصة للحسين كما كان آباؤهم من قبل الذين مارسوا دينهم ومعتقداتهم بأساليب أكثر تهذيباً واحتراماً للآخر.
يا رب بحق الحسين ودمه أن تعيد لنا أيام زمان وتنعم علينا الأمن والأمان والاستقرار والحب وتبعد عنا الشر والفتن ما ظهر منها وما بطن.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية