لن نترك مناسبة الحج تمر دون التأمل والتمعن في المعاني العظيمة والأهداف النبيلة المنطوية عليها، شعور عظيم ودروس نتعلمها سنوياً عند مشاهدة المناظر الإيمانية والإنسانية المباركة خصوصاً الآن بعد الانقسامات وولادة أحزاب وحركات فرقت بين المسلمين بدوافع انتقامية أو ميول تحزبية طائفية، إن قدوم الحجاج لأداء موحد لمناسك الحج من كل أنحاء العالم تلبية لدعوة التوحيد جسد أعظم رسالة وأسمى مقاصد المؤاخاة والمساواة والوحدة، رسالة يعلمنا الله من خلالها المعنى الحقيقي للتعايش السلمي رغم اختلاف الألسنة والأجناس والألوان والدين والمذهب.
هذا هو الدين الإسلامي المتكامل الذي جعلنا نستشعر بقرابة المسلم للمسلم فهم كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً، يقفون جنباً إلى جنب دون تكابر الغني على الفقير أو القوي على الضعيف، عقول وأفكار وعادات متنوعة ومبادئ مختلفة توحدت لوجه الله، يجب الانتفاع من هذه الرسالة والتأمل بعمق في مقاصدها ومكارمها والاستفادة منها في حياتنا اليومية.
قال تعالى: “وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجّ عميق، ليشهدوا منافع لهم...” الحج 27ـ28.
إنها فعلاً دروس مجانية في أسس التعايش وكيفية الارتقاء بالنفس البشرية، وترويضها عن الأهواء والزلات والصفات الشيطانية من حقد وضغينة تولد العنف والكراهية والبغضاء والفرقة.
إن الحروب الطائفية المفرقة والتغيرات السياسية التي طرأت على المنطقة مؤخراً جعلتنا في أمس الحاجة للاقتداء بهذه المشاهد، رسائل ملخصها اختلفوا لكن توحدوا وتحابوا وتوادوا وأعينوا بعضكم بعضاً على البر والتقوى والالتزام بمحاسن الأخلاق بقلوب متسامحة ورحيمة.
لنتعلم من ثباتهم ووحدة صفوفهم ومسيرتهم المليونية التي تعد الأعظم والأضخم في العالم، لم نشاهد خلالها عنفا وتخريبا وقتلا وهتكا للأعراض واستباحة دماء تدمي القلب ألما وحسرة، أين العالم وأين المسلمون؟! لماذا لا نتعض منها ونترك الظالمين يسرقون الإسلام ويختطفون رسالته العادلة؟ لماذا لا نقف أمامهم ونتصدى لهم ليعلو اسم الله ويعلو الحق؟! إننا مسؤولون أمام الله في تحسين صورة الإسلام وعزته ورفع شأنه وشأن المسلمين فنحن محاسبون عن إساءتنا في حقه وحق الآخر.
إنه حقاً موسم جعلنا بمظاهره وشعائره نجدد روح الانتماء إلى هذه الأمة، وندرك جيداً أنه لا سبيل للتعايش غير الوحدة والسلام والتعاون على الخير والمحبة والارتقاء بمكارم الخلق.
إن الرسالة العظيمة الأخرى التي نستلهمها ونقتدي بها من هذا الموسم صلة الأرحام بكثرة الزيارات وبر ذوي القربى والتصالح بين المتخاصمين إنها من أجمل ما يميزها.
فعلاً إنه دين قويم وصلاح للأمة إن حرصنا على اتباع تعاليمه التي ستنعكس على حياتنا وتعاملاتنا اليومية لتحقيق سلام عام، بدل تدمير قيمنا وتمزيق جسد أمتنا ونخر بنيانه المتماسك، علينا الالتفاف حول ثوابتنا والثبات على أهدافنا وتحرير عقولنا من نوازع الشر والفتنة التي هي منفذ لتفكيك مجتمعنا، لنتعلم من الرسائل الإلهية المقدسة الواعظة المنصفة لنكون خير سفراء لديننا، ونجعل العالم الإسلامي صورة مستنسخة من هذه البقعة المقدسة في هدوئها فلا خوف فيها ولا رعب ولا قتال ولا حرب ولا نزاع، هكذا يريدنا الله فلنحافظ على هذه المكتسبات العظيمة ولنستغل عطايا الله القويمة لتمدنا بالخير في الدنيا والآخرة.