عدت الى بيتي وقد اختمرت في بالي فكرة عمل تحقيق عملته وصغته وذهبت به على أمل أن يجد القبول وأن يقع عليه موقع حسن.. كان عن الخريجين الحائزين على الدرجات الصغرى الذين يأنف سوق العمل تشغيلهم بدواعي أنهم يريدون اصحاب الدرجات المميزة.. المهم صغت التحقيق وذهبت لأهل الشأن وسمعت من المسؤولين انهم مقاطعون الصحيفة نظرا لسياسة التلفيق التي يتبعوها ضدهم.
كتبت ذلك بتجرد وإخلاص وبذلت من جيبي واقتطعت من مصروفي على أمل تقديم عمل مميز للقراء وأصحاب المعضلة فقد رسم الخيال في ذهني صورا عدة بنجاح التحقيق وإحداث ضجة كبرى بتوالي نشره وعندما ذهبت لمدير التحرير باغتني بأن مادتي ستخضع للمنافسة وأن الجميع قدموا له موادا فأسقط من يدي وسفرت لي نواياه وعند مكوثي في الصحيفة عرفت سياسة الخيار والفقوس التي يتبعها امثال هذا والصحيفة درجت في اسلوب دخيل على الصحافة على الحساب بالقطعة من خبر وتحقيق وحوار بمبلغ مالي دون ان يكون هناك راتب وعنصر الجمال الأنثوي يلعب دوره في تنزيل المواد والتنزيل يخضع لمدير التحرير تخيلوا اني نزلت مادتي بعد أن نسيتها وزهدت العمل في الجريدة ومن حوله من الصحافيات تنزل لهن يوميا بعض مواضيعهن دون مادتي ما زاد حنقي.. ولم أكن وحدي من سخط على ذلك بل وجدت آخرين يبوحون سرا للمعارف.. كرهت العمل بذلك النظام واتجهت لهوايتي كتابة المقالات التي كانت تخضع ايضا لتوجيهه وظللت اكتب واكتب ولم أراعه وذات مرة استدعاني ودفع الي ورقة لحضور سمنار - لم تكن من كريم تفضله علي أو انطلاقا من اعجابه بي ولكنه توجيه صدر له من رئيس التحرير فامتثل له مرغما - لرصده طالبته بالبطاقة لأحضره رفض وطلب مني ان اذهب وامثل الجريدة رفضت مع عدم وجود البطاقة سحب مني الورقة بغضب وعمل عليها علامة الشطب وخرجت من عنده راسلت رئيس التحرير بسلوكه ولكني لم أجد الرد عدت إلى هوايتي وما تهواه نفسي أكتب وأكتب واجد متعتي وأخيرا تنزل المقالات.
استمريت أكتب وأكتب وعندما يسألني الناس خارجا عن ما أتقاضاه نظير تلك الخدمات التي أقدمها للجريدة أحاول أن أتهرب من السؤال ولو اضطررت أحيانا الى الكذب الأبيض كما قلت سابقا وذلك أني ذهبت إلى رئيس التحرير مرة أسأله إن كان الكاتب يتقاضى أجرا نظير كتابته ولكن رئيس التحرير أفتاني بأن كتاب الرأي لا يتقاضون أجرا ماعدا الكتاب الكبار الذين يمتلكون الشعبية ويقرأ لهم كثير من الناس ولكن يا أستاذ كيف الوصول الى الشعبية وبين أيديكم مقالاتي التي أكتبها وعندكم التقييم لها فإن كانت تستحق فأعطوني فأنا كما تعلم اتجهت الى الكتابة وأحتاج الى ما يعينني في حالي ويشجعني على الاستمرار معكم بدواعي التحفيز لتحقيق مزيد من التجويد والعطاء ورئيس التحرير يقول لي إن الصحيفة توفر المنبر لكم فقط الذي تطلون به عبر القراء والصحف المحلية تكاد تتشابه في ذلك الإجراء.. وانتهت المقابلة.
بدأت أراسل عبر الشبكة العنكبوتية كثيرا من المواقع الصحافية بدأت تجربة أخرى بصحيفة جديدة بدأ ظهورها في تلك الأوقات بدأت أراسلهم وكان مقالي يخرج في الصحيفتين وأحيانا في آن واحد متزامنا دون أن أذهب اليهم وبعد مجموعة من المقالات ذهبت اليهم وما شجعني أكثر ان كثيرا من زملائي قد انضموا اليها.. فرارا من جحيم (القطعة) حيث وجدوا هنالك التقييم المطلوب الذي افتقدوه عبر صحيفتهم السابقة. اتصلت بمجموعة منهم فأفتوني بالحضور لمقابلة رئيس التحرير وشجعوني ولكني لم آتي بعد ذلك مباشرة بل بعد تنزيل مجموعة من المقالات التي رسخت اسمي في بالهم وجئت أخيرا تعشعش في رأسي الأماني والأحلام بالمستقبل الجميل.. ذهبت الى الاستقبال فأفتاني بأن رئيس التحرير في اجتماع ورجاني بأن أنتظر لمحت أحدا من زملائي السابقين فجاءني وسلم وقلت له إني في انتظار رئيس التحرير فقال لي من الأفضل أن تذهب الى فلان وسماه لي فهو رئيس التحرير الفعلي ومن تنتظره إنما هو رئيس تحرير على الورق فقط وأعتقد بأنه لن يفيدك شيئا أسقطت من رأسي حينها ما تملكه من زهو وأمل بالمستقبل ويئست من الزيارة وفجأة لمح زميلي رئيس التحرير الوهمي خارجا من مكتب، بانت لافتته بمكتب رئيس التحرير.. استأذنت من صاحب الاستقبال وبدلا من ان أدخل المكتب المعنون بلافتة رئيس التحرير دلاني زميلي الى ممر ضيق يتوسط الممر مكتب صغير جدا وقال لي هذا مكتب رئيس التحرير دخلت عليه ووجدته يحتسي الشاي قلت مهدي ابراهيم كاتب صحافي معكم قام من كرسيه فصافحني وأثنى على أسلوبي ومقالاتي.. أخذت زمنا معه طويلا.. لم يدعني لكوب ماء ولا لرشف الشاي معه أدركت حينها لماذا جعل في الصفوف الخفية على صراحة لقبه ووظيفته.. المهم طالبته بفرصة معه في الجريدة ولكنه اعتذر عن ذلك ووجهني بأن أدخل لرئيس التحرير الفعلي وقبل أن أخرج نبهني الى أن مقالا لي قد حجب من الظهور بفعلهم بدواعي أنه قد نزل في صحيفة أخرى بنفس الاسم وإن نزل إنما يدل على طعن في الجريدة من قبل القراء بقلة المواد واللجوء الى مقالات الصحف، المهم كان سببا لم يقنعني وانصرفت خارجا. في مرة أخرى جئت وقابلت رئيس التحرير الفعلي.. سلم علي باستخفاف ظاهر وكان وسط مجموعة من العاملين يدور الجدل بينهم في المال وفوائد الإعلان جلست بعيدا منهم فأمر لي بكوب ماء وفي غمرة حديثهم الذي تعتوره النبرات الحادة التفت إلي وقال لي: ما قصتك؟ قلت له اسمي واني أكتب معه من خلال هذا المنبر قال لي لمحتك مرات عديدة وأين تعمل الآن؟ اخبرته بصحيفتي قال لي هل كان رئيس تحريرها يعطيك شيئا أجبت بالنفي قال لي إنه لا يعطي وكل العاملين معه قد فروا منه وطفق يرميه بكل عيب ومنقصة بدليل أن كل صحافييه فروا منه وجاءوا الينا المهم اكتب لي مقالا لا يتجاوز الثمانمئة واتيني به.
لم نمكث غير بعيد الا وسمعنا أن الصحيفة الجديدة قد حجبت من الصدور لتنازع ملاكها والحق يقال إنها كانت صحيفة جريئة أجبرت الناس على احترامها نظرا لما يتناوله كتابها من جرأة في الطرح والتناول كشفت الكثير وتناولت المثير من القضايا حتى عمد معارضوها الى أقناع مالكها الناشر بضرورة بيعها فباعها فاستقرت على أيدي مجموعة من المشترين الذين حتى كتابتي لا أعرفهم المهم عندي أن الصحيفة قد غابت عن الظهور.