أحيانا ينتاب الإنسان خورا في عزائمه التي يحاول شحذها بالآمال ويغذيها بالتفاؤل ويلهمها بالصبر الجميل بتجاوز العثرات والتسامي فوق الهموم والعذابات وظروف الحياة كسفينة تمخر في عباب البحر، فلا تكاد تبصر إلا ظلاما على ظلام والأمواج تعبث بها يمينا وشمالا وقبطانها يحاول السيطرة عليها من أن تنجرف مع (التيار) والأمواج في أوجها والبحر في هيجانه ورباطة جأش القبطان وما يعتروه من التجارب تصبح سيدة الموقف في الصبر وإبصار سبيل النجاة والركاب يضجرون بالشكوى ويحتمون بالضجر ومخاوف الهواجس وطمأنة القبطان لهم بسلامة الأوبة تأخذ حينا مأخذ الأمان والاطمئنان وحينا مبعث السخرية والاستعداد لأسوأ الاحتمال.
تلك هي بداية حياتي مع الصحافة حاولت أن أبحر مع تلك الأمواج وحاولت جاهدا تطويع الظروف والأجواء المحيطة وغضب البحر الذي لا يعرف إلى الهدوء مأمنا ولا يعترف بالوتيرة الواحدة فمن هدوئه كما من غضبه يجب الحذر، دخلت مجال الصحافة بعد أن درست الهندسة وكان أملي أن أواصل مع صحيفة تتيح لي الفضاءات الواسعة بعيدا عن العوائد المجزية ووفقت إلى حد كبير في أن أجعل لنفسي عشقا لا ينتهي للكتابة وفي نفوس قرائي ميلا للاطلاع على ما أكتب، كنت أراسل الصحيفة من بيتي الكائن في مدينتي وكم كنت سعيدا وأنا أجد مقالاتي تنزل على منبر الصحيفة وتوالى إنزال المقالات وكنت أنا أقرأها بنهم وأسعد بكتابتي وأهاتف صحبي وأفراد أسرتي بضرورة الحصول على نسخة من الصحيفة وأسعد أكثر بنقدهم ومدحهم في وقت واحد لأجل تحسين أسلوبي ومعرفة مواطن عيوبي، ثم رويدا رويدا أتيح لي أن أنشر صورتي أيضا مع المقال وصار الناس يعرفون شكلي واسمي وكم كنت أتهرب عندما يواجهني الناس كم تأخذ على المقال وما هي صيغة التعاون المثلي بينك وبين الصحيفة كنت أزداد حنقا ومرات أعمد إلى الكذب الأبيض ليس تفخيما ومعصية. وللحقيقة كنت قابلت صاحب الجريدة ورئيس تحريرها مرات كانت الأولى عندما استأذنت في الدخول عليه - بعد أن جئت مقر الصحيفة مصادفة ولم تكن في نيتي الزيارة ولكن ترويسة الاعلان عنها أجبرتني عليها -عرفته باسمي فانتصب واقفا لي محييا فالصورة التي كانت في باله من – كتاباتي – على أنني كبير في السن ولكنه وجدني شابا حياني بأحسن التحايا وأجزل لي من ثنائه ما جعلني أحار نطقا أمامه وبعدها استأذنت في الخروج وهو يشيعني بأن كتاباتي مواكبة للأحداث و عليك أن تكتب باستمرار واستدعى مصوره ليلتقط لي صورة تكون مصاحبة لمقالي – حيث لم تكن صورتي تنزل بعد على المقال - قابلت المصور وأخذ لي صورة أودعها لرئيس التحرير ومضيت لحال سبيلي لم تسعني نفسي من الفرحة فمشيت أطول المسافات أسترجع حديث رئيس التحرير وكلماته الطيبة ومدحه الجزيل إلى أن وصلت المواصلات ثم دلفت إلى من تقلني لمحل سكني وأنا استرجع الشريط وتلك الذكرى الطيبة ووددت لو أن معي كاميرا أوثق ذلك الحدث. وانتبه من أفكاري على أني تجاوزت محطتي بمشوار أكملته فرحا بذلك الاسترجاع الجميل.