قبل أكثر من عام ونيف من الشهور، أطلق رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته والمنطوية أيامه والراحلة سلطته نوري المالكي كلمة واضحة وصريحة عمد إلى تسريبها كان مفادها أنه لن يسلم السلطة لأي طرف آخر لأنه لا يوجد من يستطيع أخذها منه بأية طريقة! وأنه تبعا لذلك سوف لن “ينطيها” أي يعطيها لأحد. وقتذاك اعتبر البعض هذا التسريب مجرد بهرجة إعلامية وجزءا من حرب نفسية يديرها المالكي وفريقه للاستمرار في السلطة! ولكنهم تناسوا حقيقة كون السيد نوري المالكي هو في البداية والنهاية من رجال العمل السراديبي السري، أي رجل المنظمة السرية وله بالتالي تاريخ حافل في إدارة الملفات السرية والأمنية منذ أيام المعارضة العراقية السابقة طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وأن له علاقاته واتصالاته مع أجهزة المخابرات الإيرانية والسورية وهي نفسها الأجهزة المتحكمة اليوم بمسارات العملية السياسية في العراق وبالدور العراقي الرسمي في إدارة الأزمات في المنطقة.
فالمالكي الذي رسم خطا استراتيجيا واضحا بالتمسك بالسلطة وغرس مخالبه بها اعتمد على سذاجة الأطراف العراقية الأخرى خصوصا فيما حصل في اجتماعات أربيل عام 2010، حيث سرقت رئاسة الحكومة في النهار وعلنا من أيادي الدكتور إياد علاوي رئيس قائمة العراقية التي حازت وقتها على أغلبية برلمانية ثم رضي رئيسها بمنصب وهمي عنوانه (رئيس مجلس السياسات الاستراتيجية العليا)! وفي بلد لا توجد فيه سياسات ولا استراتيجيات عليا أو سفلى! والذي كان فخا ذكيا انساقت إليه بسذاجة ونتيجة لضغوط إيرانية واضحة غالبية القوى السياسية العراقية التي شربت المقلب لينفرد المالكي بالسلطة مؤسسا دولته العائلية! من الأبناء والأصهار والأقارب ولو كانوا من الزعران والصبيان وتماما كما فعل صدام حسين! متسلحا بالجيوش الطائفية الرديفة التي استغل نشاطاتها الإرهابية لحسابه الخاص كجماعة عصابة العصائب الطائفية الإرهابية الدموية، وحيث تميزت إدارته للسلطة العراقية بالفشل الكبير لانفراده بالهيمنة على مراكز القرار الأمني والعسكري وابتعاده عن هموم الشارع العراقي وتركيزه على إدامة مواقعه السلطوية وإقامة عرشه الخاص بعد أن تصور نفسه أنه القمة وأن الآخرين مجرد أقزام!
فهو بعقليته السلطوية والمستبدة يختبئ وراء النصوص الدستورية فيما هو يخرق الدستور بفظاظة! ولكونه يعلم أن شرعية السلطة في العراق هي لمن غلب وتغلب ودفع الرشاوى وتمسك بالعصبية القبلية المتخلفة، فلا وجود لمزاج ولا تربية ديمقراطية في العراق الخارج من رحم الحروب المستعرة والمستمرة، المالكي اليوم كان على وشك إعلان انقلاب عسكري كامل يسيطر بواسطته على جميع مراكز القرار ويلغي المؤسسات الدستورية وهي أصلا مؤسسات هشة وعديمة الفاعلية بعد أن صم أذنيه عن نداءات حلفائه الطائفيين بالرحيل مقدما شروطا تعجيزية مقابل رحيله لا يمكن القبول بها أبدا وأولها إعفاؤه وأقربائه من أية مسؤولية جنائية وتحصينه قانونيا لكون الجرائم التي اقترفت في عهده الأسود كبيرة جدا، ميليشيات المالكي الطائفية المتوحشة على أتم استعداد لتنفيذ انقلاب على الطريقة النازية الهتلرية عبر ضرب الشركاء والانفراد بالسلطة تحت دواعي الضرورات الأمنية وتأسيس “الرايخ المالكي الطائفي” الذي لن يسلم السلطة إلا بعد ألف عام! وهي لعنة تصيب كل من وثب على عرش السلطة في العراق! فلا وجود لخروج سلمي فإما السلطة أو المشنقة أو القتل هذا هو حال العراق الأسود البائس منذ انقلاب 14 تموز الدموي عام 1958 على العرش الهاشمي.
لقد أثبتت تحركات وتهديدات نوري المالكي الانقلابية أن العملية السياسية في العراق هي عملية كسيحة وفاشلة بامتياز، فالمتحصن بحصون المنطقة الخضراء لا يهمه من العراق ولا شعبه شيء سوى الاستحواذ على السلطة وتسخيرها عائليا وشخصيا وما عدا ذلك تفاصيل ليست ضرورية، الانقلاب على الطريقة النازية وإبعاد الشركاء وفرض دولة الحزب الفاشي الواحد وهو حزب الدعوة الفاشي بقيادة الفوهرر العراقي الجديد نوري المالكي بات خيار الفاشلين في تكسيح العراق وتدميره وإشعال المنطقة بالحروب والفتن الطائفية المتنقلة.
فهل من المعقول أن يتحول العراق بتاريخه الحافل لملعب للبؤساء والفاشلين؟ ولكن مع كل التكتيكات والمناورات فقد انتهت أيام المالكي ودالت دولته وأبيدت أيامه (وتلك الأيام نداولها بين الناس) وهو بعد هزيمته السلطوية مطالب بدفع أثمان التجاوزات الخطيرة التي حصلت في العراق وأريقت فيها الدماء وسرقت فيها الثروات، فهل سيفلت المالكي من نتائج أخطائه وخطاياه السلطوية؟ وهل يتعظ الطغاة من أيام وفواجع من سبقهم؟ أغلب الظن لا وتلك هي المعضلة.