بعد ما يقارب العشرين جلسة أو ربما أكثر، بات جليا لجميع المتابعين لمجريات حوار التوافق الوطني بأن جميع الأطراف المشاركة في الحوار لا تملك القرار، إذ انه من خلال متابعتي للحوار وتغطيتي الإعلامية له، لم أجد طرفا من الأطراف الأربعة المتحاورة يملك القرار في يده، الكل ينتظر ما يملى عليه من أفكار أو ربما أوامر ليصبها على طاولة الحوار، كما لا يملك التخلي أو المرونة في قرار اتخذ مسبقا، وبالتالي فالموجودون في قاعة الحوار لا يمثلون إراداتهم المحضة، بل يمثلون إرادات أخرى هي مدت اذرعها إلى الطاولة، لأنها لا تجرؤ أو لأقل ليس من مصلحتها الظهور على الساحة حاليا.
وبالتالي بتُ مقتنعا بأن جميع من على الطاولة لا يمثلون الشعب، ولا حتى الجزء العريض من شارعه كما يدعون، بل إن النظرة العامة الآن أصبحت مليئة بالملل واليأس والإيمان بأن جميع المتحاورين “ما عندهم ما عند جدتي”، و”ما عندهم سالفة”.
الطامة التي استفزت الناس هي الكلفة المرصودة لهذا الحوار، وهو ما تم “فضحه” من خلال أرقام الموازنة العامة للدولة، حيث بلغت الكلفة 244 ألف دينار، وطبعا عندما زادت الفاتورة تم نقل الحوار من منتجع العرين إلى مركز عيسى الثقافي، كمبنى حكومي من المفروض أن يقلل الفاتورة، إلا إذا كانت الفاتورة مرصودة لمكافئات المتحاورين، فهذا أمر آخر، إذ أننا لا نعلم إن كان الأمر مدفوع الأجر أو لا.
جميع المتحاورين ينتظرون الأوامر “من فوق”، بغض النظر عن ذاك الـ “فوق” الذي يصدر الأوامر، والكل يتحرك حسب مدى حرارة هاتفه النقال، وكل ما يدور في الداخل يصل إلى ذلك الـ “فوق” قبل أن يصل بقية المتحاورين أصلا، و”المسجات” تلعب دورها المحوري في الموضوع، ناهيك عن الاجتماعات “السرية” بين بعض الأطراف وما يدور تحت الطاولة ورسم الخطط لإحراج طرف ما ومغالبة طرف آخر، وهكذا وهكذا، والناس تنتظر نتيجة، ولا نتيجة.
أذهب إلى الحوار وأنا على يقين ــ مع بقية الزملاء ــ بأننا لن نخرج إلا بحرب كلامية وفلسفات لا طائل من ورائها إلا التعب من كثرة اجترار نفس الكلام، ولا يخفف من ذلك إلا متعة الاستماع ونقل الاتهامات المتبادلة بين الأطراف المتحاورة.
مؤمن تماما بأن جميع الأطراف غير جادة في الحوار، ومؤمن تماما بأن جميع الأطراف تلعب على وتر الإنهاك والاستنزاف، ومؤمن تماما بأن المستفيد من ذلك الاستنزاف هم أصحاب القرار الحقيقيين بالنسبة لجميع الأطراف، فعامل الوقت بالنسبة لهم مهم جدا، إذ أن كلا يريد تنفيذ أجندة معينة، ومن الواضح أن تلك الأجندة تحتاج إلى وقت، بالإضافة إلى حاجتها إلى ملهاة يلهو الناس بها بعضا من الوقت لحين اكتمال “الطبخة”، ومن ثم سيخرج أصحاب القرار الحقيقيين، كل يقدم طبقه الذي طبخه، والمواطن حينها سيقع في حيرة اكبر، بين قبول أو رفض أي من الأطباق، لتصبح الملهاة اكبر وهكذا دواليك.
المتحاورون الآن في امتحان صعب، ليس امتحانا سياسيا فقط، بل امتحانا شعبيا، فالناس كما أنهم يبحثون عن “مخرج من الأزمة”، هم أيضا على المحك فيما يتعلق بالهم المعيشي الذي من الواضح أن “أصحاب السعادة” النواب قد فشلوا فيه، ووقعوا في “الخية” ماداموا هم قد حافظوا على امتلاء “غزوزهم” التي ستنفجر من حيوية الدماء فيها.
حوار التوافق الوطني وصل إلى درجة “الفشيلة”، ومن باب أولى أن يتم صرف تلك الأموال على أمور أكثر أهمية، انفعها بناء “كم بيت” من بيوت الإسكان، ولا تقولوا لي إن بيت الإسكان يكلف ــ كبناء ــ أكثر من 60 ألف دينار، بمعنى أنه بميزانية الحوار سنحل أزمة 4 مواطنين شاب شعرهم وكبر أبناؤهم وهم ينتظرون “بيت العمر”.
هذا الكلام ليس إحباطا للناس، لأن الناس محبطون أساسا، ولكن ما تقدم من سطور هو وصف لواقع أراه في الأسبوع مرتين، وليعذرني احد المتحاورين، صاحبي المتفائل دائما.