العدد 1626
الخميس 28 مارس 2013
بين علم “القاعدة” وعلــم “حـــزب الله” محمد بوعيده
محمد بوعيده
خارج النص
الخميس 28 مارس 2013


تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي التراشقات بين علمين لفريقين أو حزبين بينهما “مطارق الحداد” أيدلوجيا، إذ لا يتورع كلا الفريقين من تكفير بعضهما وتبادل الشتائم والسباب والاتهام الفاضح بالعمالة والدونية، هذا بالإضافة إلى الإرهاب كعنوان عام لجملة الاتهامات.
في الآونة الأخيرة، انتشرت في البحرين أعلام وشعارات القاعدة وحزب الله، كواجهتين أيدلوجيتين لحرب قائمة على التمذهب والتمترس خلف انتصار كل طرف لعقيدته، ناهيك عن التهديد الواضح من قبل الطرفين للطرفين بالإيمان باستخدام قوة السلاح و”كسب الأجر” في نحر كل طرف للآخر انتصارا للدين وإعلاء لكلمة الحق، في حين يتصيد كل طرف على الآخر مظاهر بروز تلك الأعلام والشعارات، واتهام كل طرف للآخر بالائتمار بأوامر خارجية، الوهابية من جهة وولاية الفقيه من جهة أخرى، في غفلة واضحة عن القاسم المشترك بين الطرفين ــ شئنا أو أبينا ــ وهو الوطن.
لن أناقش الأيدلوجيات، كونها تدخل في حرية الضمير والمعتقد، إذ ما يهمني هنا هو تأثير تلك الأيدلوجية على الوطن، هذا الوطن الذي أصبح غائبا في النفوس وتم استبداله بتلك الأيدلوجيات التي قلما تنظر إلى التراب بقدر ما هي معلقة في برج عاجي يحفه درج ملتوٍ عبارة عن الشعارات والأهداف والأماني، يرمي بمسألة التعايش في سحيق الوادي وصولا إلى فرض المعتقد ولو بالقوة.
المشكلة الواضحة أن كلا الطرفين لم يعودا يريان في الوطن مرجعية، واتخذوا مرجعيات أخرى كفيلة بتبيان القوة والمنعة، ومن السهل جدا أدلجة أي هدف كي يكون مقدسا لا يمس.
في بلد نجح فيه نفر قليل في شطره إلى نصفين، أصبح الشعور بتهديد الآخر سمة طبيعية، والتوجس من الآخر طبع غلب التطبع، ولذا من الواجب الحذر وتحذير الآخر، وبالتالي اللجوء إلى “جبل” للعصمة من الماء هو التفكير المنطقي، ووسط ذلك الشعور بالتهديد، يجب أن يرافقه تحذير الطرف الآخر من مغبة المواجهة، فهو يؤمن بما يسمح له إطلاق النار لمجرد الشعور بالتهديد، أي على طريقة الشرطة الأمريكية.
لن أتساءل عن سبب الوصول إلى هذه الحال، فالسبب معروف، والمسألة بدأت استفزازا وعنادا، إذ من السهل جدا استفزاز الآخر بما يكره، إلا أن الأمر تطور واقترب من الإيمان الحقيقي الذي يصدقه العمل، وهنا تكمن المشكلة.
الدولة،، أين الدولة في كل ذلك؟ صحيح أن بعض المفاصل تغذي الطرفين، سواء فوق الطاولة أو المنابر، أو ربما تحت الطاولة أو في الغرف المغلقة، وطبعا مع بعض “البهارات” اللازمة حول “حزب الحسين وحزب يزيد” من جهة، و”التكفيريين” من جهة أخرى، أو “الانقلابيين” من جهة و”دعاة الإصلاح” من جهة أخرى، والدولة بين هذا وذاك قد وضعت يدها على خدها وغيبت القانون تحت فخذها كما تفعل الجدات في لعبها مع الأحفاد، وعينها على عصا “رب اللعبة” المسماة حقوق الإنسان.
إن رفع علم البحرين في المحافل ادعاء بوطنية التحرك دون أن يكون لذلك العلم مكان حقيقي في القلوب، ودون أن يتحول ذلك العلم إلى أيدلوجية لا ينقصها التقديس، هو بمثابة الاحتيال على النفس قبل الاحتيال على الناس، وكل الدوافع معروفة من جميع الأطراف.
إن الشعارات التي تحاول الدولة التسويق لها، للأسف لا تغني ولا تسمن من جوع في ظل “السعار” الأيدلوجي الذي بات يلتهم أي فكرة من شأنها التقريب بين “المتخاصمين”، فساحة الحرب أصبحت فضاء مفتوحا يملؤه الإبهام بسيل من الاتهامات في 140 حرفا خارجا عن الرقابة، فما دور الدولة في ذلك بعيدا عن حملات العلاقات العامة التي أثبتت صراحة فشلها وعدم قدرتها على مجاراة الطرفين.
إن اللجوء إلى ما تعارف عليه دوليا بأنه إرهاب محض، بغض النظر عن “نبل” المقاصد أو قداستها، مشكلة في حد ذاتها، على الدولة معالجتها وبحزم، فاللجوء إلى الخارج ولو فكريا هو تهديد حقيقي لما يجب أن يؤمَن به في الداخل، وعليه أعود وأقول إن تطبيق القانون في كل الحالات والمواقف كفيل بإعادة تلك التوجهات إلى الجادة، وإلا فالإرهاب سيكون نابعا من الداخل قبل أن نظن انه مستورد من الساحل الشرقي أو الساحل الغربي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .