كيف قبل الحقوقي عبدالله الدرازي بأن يكون في المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان؟ وكيف تم ترشحيه لأن يكون عضوا في تلك المؤسسة المتهمة بأنها صنيعة الحكم، والدرازي هو احد أبناء “وعد” التي تحسب على أنها الثلاجة التي تم تجميد “الجبهة الشعبية” فيها؟.
وضع الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان التي كان الدرازي أمينا عاما لها لا يسر، حيث غلب عليها الطابع السياسي، بالإضافة إلى أن نجمها اخذ في الأفول بشكل واضح.
ربما نتذكر موقف الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان من تصريحات الدرازي التي برأ فيها بعض أفراد قوات الأمن العام من التجاوزات التي اتهموا بها، والهجمة الشرسة التي واجهها خصوصا من الجمعية التي كانت مسيطرة على جمعية حقوق الإنسان، ألا وهي “وعد”، وإجباره على تكذيب نفسه ومن ثم الاستقالة.
وضع الدرازي الآن أفضل بكثير، فهو يعمل بغطاء قانوني مع حرية ممنوحة له ـ والمؤسسة معه أيضا ـ من قبل جلالة الملك، ولذا نرى انه كطاقة اثر في عمل المؤسسة التي تعمل بما تؤمن به، وليس مطلوبا منه “تلميع” الحكم، لأن الحكم لا حاجة له في تلميعه أساسا.
الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان تعاني من ضربات الزمن، إذ حتى الأمين العام الحالي، سلمان كمال الدين، والذي كان أمينا عاما للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، قد جمد نشاطه في الجمعية، بل إن معلومات وردتني بأنه لا يخفي “ندمه” على استعجاله في اتخاذ موقفه والاستقالة من المؤسسة إبان أزمة فبراير/ مارس 2011.
استطاع الدرازي في عمله الحقوقي من خلال المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أن يثبت للجميع بأنه طاقة لا يجوز تعطيلها.
من الطبيعي جدا أن يتهم الدرازي الآن بأنه أصبح مدفوع الأجر، ولكن هذا لا يهم، فبصماته هو وأصحابه واضحة في كيفية تسيير المؤسسة وعملها الحقوقي، بعيدا عن الأضواء والمتاجرة.
لا اعلم لماذا اكتب عن عبدالله الدرازي اليوم، إذ ليس هناك ما يستدعي الدفاع عنه، ولكن في لحظة “عرينية” استشعرت بضرورة إنصاف هذا الرجل.
إلى الآن لم أجد في عمل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان ما يخالف العقل والمنطق، صحيح انه قد يخالف العاطفة، وهذا شيء مؤكد، إلا أن الدرازي وأصحابه فضلوا الركون إلى العقل والعمل بصدق من غير متاجرة.
قوة المؤسسة تكمن في الضوء الأخضر الذي فتح لها جميع الأبواب الموصدة، وإلا هل من المعقول أن يأتي سمو ولي العهد ويقول لأعضاء المؤسسة “يبي لكم قضية أو قضيتين قواي تشتغلون فيها، حتى لو كانت ضد الحكومة، لا يهمكم ترا كلنا وراكم وندعمكم”.
من هنا اقرأ عبدالله الدرازي المعارض الصامت سابقا، والحقوقي المثير للجدل بهدوء، والذي فضل الركون إلى العقل الآن، اقرأ ما بين سطوره بأن “معظم” الحقوقيين في البحرين أصبحوا تجار آلام وجروح، لا احد يفكر إلا في مصلحة أجندته السياسية، وكله باسم حقوق الإنسان، هذه البضاعة الرائجة في أيامنا هذه، ويبدو انه من خلال تجربته أدرك الدرازي ذلك، كما يبدو أن الدرازي لا يجيد أن يكون تاجرا، ولا يريد أن يكون مجرد “بيدق” على لوح الشطرنج، خصوصا بعد أن انكشف له ما كان مستورا من “رفاقه في النضال”.
أتمنى للدرازي الصمود في المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، فهو في جو اعتقد بأنه يروق له، فرئيس المؤسسة ومعظم أعضائها لهم تاريخ مشابه لتاريخه، وبالتالي فتلاقي الأفكار سيكون أسهل على الرغم من تنوع التوجهات، وهذا أفضل من جمعية تدعي الحقوقية يغلب عليها طيف واحد ولون واحد وخط واحد، ما إن شذ عنه الدرازي وقال كلمة الحق إلا وتهدم المعبد على رأسه.