“الكونت” الروائي الأديب الروسي تولستوي في قرية استابو حين هرب من بيته وحياة الترف، أصيب بالالتهاب الرئوي في الطريق، وكان قد بلغ من العمر 82 عاما، ودفن في حديقة ضيعة ياسنايا بوليانا بعد أن رفض الكهنة دفنه وفق الطقوس الدينية الأرثوذكسية. ليس رفضا من الكهنة فقط بل لأنه هو نفسه رفض أن يُدفن هناك.
اليوم وأنا أقرأ بعض المقالات والشتات العربي السياسي والاجتماعي وأقرأ بين سطورنا أن من أكبر مصائبنا أننا لم نقرأ تاريخنا ولم نسمح لأحد بقراءته ولن نسمح لمثقف العيش لينير لنا طريقنا أو يوجهنا. في هذه اللحظات تذكرت “تولستوي” لقد أضمر الكاتب الروسي احتراماً خاصاً للأدب العربي، والثقافة العربية، والأدب الشعبي العربي. فعرف الحكايات العربية منذ طفولته. عرف حكاية “علاء الدين والمصباح السحري”. وقرأ “ألف ليلة وليلة”، وعرف حكاية “علي بابا والأربعون حرامي”، وحكاية “قمر الزمان بين الملك شهرمان”، وذكر هاتين الحكايتين ضمن قائمة الحكايات، التي تركت في نفسه أثراً كبيراً، قبل أن يصبح عمره أربعة عشر عاما واليوم أيضا قدماه الحافيتان تدبان من حولي، تخبرانني أنه لم ييأس بعد. لأنه أحب تاريخنا وبقي يتأمله فمنحنا روحا كي نقرأ تلك الحكايات ونستمد منها حبنا وعشقنا، ويجب ألا نيأس لأننا مع اليأس قد قضينا على آخر أمل ونفس في هذه الأمة وسيحاسبنا التاريخ كمثقفين ومفكرين بأننا تخلينا عن كتابة لوحات الدمار التي تجتاح الأمة وأننا لم نكتب لها حلولا، نعم إنه يمنحني السلام مجددا. وَيَصفّ لي جيشا من مثل الغفاري، وطاغور، وحتى وتمان. وثمة أمر! سأبقى أقتحم بيدي العاريتين وبالوجوه الجميلة التي ما غابت عن أفقي.
نحن في منطقة ووضع لا نستطيع أن نقاتل عسكريا فالغرب يتفوق علينا ولا نستطيع أن نحارب اقتصاديا فالهند واليابان والبرازيل.... ستتغلب عليناا! ألم يحن الوقت ونعرف بماذا ندافع عن أنفسنا؟ أمام كل تلك الأطماع التي لا تريد لنا الأمان في دولنا المستقرة! خصوصا في الخليج، أنا اليوم أخاف الى حد الرعب من الذين لا ينقلون الصورة الحقيقية لزعمائنا ويحاولون نثر الرماد بالعيون كي يبقوا متربعين على “جرة علي بابا”، ويفقدونا الحلم الجميل الذي بنوه بشقاء زعماء الخليج ورسخوا فيه الحب والرفاه، أعيش الرعب لأننا بدأنا نرى الحقائق ونفقه أن سلاحنا الوحيد هو (الإعلام) كي يقاد من مفكرين ومثقفين لا مطبلين حيث أوصلونا الى يوم نرى عواصمنا العربية تتساقط تباعا! أكثر من ألف قناة عربية تعج بالمطبلين الذين قبضوا قبل دخولهم الاستوديو المهيأ سلفا للتضليل أو لبث الفتنة إما بين العرب أو بين المسلمين، والعالم من حولنا يهيئ نفسه إعلاميا لكل خطوة قبل أن يخطوها.
رغم قوتهم العسكرية والاقتصادية استطاعوا شراء ذمم الكثير من المؤسسات الإعلامية العربية بينما القنوات على أراضينا ولم نعرف كيف نوجهها بإحكام طرحنا فكرة إنشاء البرلمان الإعلامي العربي كي يكون ناطقا عربيا ويرفع الكلف عن الحكومات ويستطيع ان يتكلم بكل الحقائق فوجدنا انفسنا نغرد خارج السرب.
ما أريد قوله إن من يريد أن يدرج ذاته في مصاف النخبة الثقافية والإعلامية، عليه أن يخلق تماسكا مع الحياة، أي بلورة جمل فكرية جميلة دالة ينبغي أن نتذكرها في جزعنا من غبار شوارعنا.
سادتي، عقلي لا يحترف المكر إطلاقاً، ولكم أن تقولوا إنَّ قلبي وقلوبكم بيت الوجود.