اقتضت سنة الله تعالى أن يبعث الأنبياء من عامة الشعب ، ولا يعجز سبحانه أن يبعث أنبياءه ورسله من الحكام لو كان الإصلاح يبدأ من الحاكم ، وقد عرض مشركي قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم الملك وقالوا له “إن أردت ملكا ملكناك” ولكنه صلى الله عليه وسلم فضل رفض هذا العرض وفضل أن يصلح المجتمع من موقعه كفرد في المجتمع ، وبالفعل بدأ بإصلاح الأفراد ووجههم لإصلاح أسرهم فأخرج نموذج يحتذى به من الأسر التي قدمت تضحيات في سبيل الله كأسرة آل ياسر ، بل أن أحد أعظم الشخصيات التي عرفها الإسلام قد تأثرت بصلاح أسرتها فانصلح حالها وقادت الإسلام والمسلمين إلى انتصارات سجلها التاريخ وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما دعته أخته للإسلام.
وفي المقابل عندما أسلم “النجاشي” ملك الحبشة ، لم يستطع أن يصلح شعبه ويدخلهم في الإسلام ، بل أنه كان يخفي إسلامه ويصلي في السر خوفا من شعبه ، مما يدل قطعا أن الملك أو الحاكم لا يملك تحقيق الإصلاح وأن الإصلاح لا يتحقق إلا عبر إصلاح النفس فالأسرة فالمجتمع ، وإذا ما أصبح الصلاح سمة من سمات المجتمع فإن الحاكم لن يستطيع ممارسة الفساد علنا كما كان النجاشي رحمه الله لا يستطيع ممارسة عباداته علنا.
وعندما يأتي من يدعي الصلاح ويدعي أنه داعية لله تعالى و يطالب الحاكم بالإصلاح ، ويطالب الشعوب بالإصلاح عبر تغيير حكامهم ، فهو أحد رجلين: إما جاهل بسنن الله تعالى ، أو أنه مدلس ملبس يسعى للوصول إلى السلطة عبر التلبيس على الناس ، فالله تعالى يقول: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ولم يقل تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بحاكمهم) وهذا ما يروج له دعاة اليوم الذين هم بالفعل دعاة ولكنهم ليسوا دعاة لله وإنما دعاة فتن.
إن من يدعي أنه يملك آلية لتحقيق الإصلاح غير الدعوة لإصلاح النفس إنما هو كاذب ، فالإصلاح لن يتحقق بأي طريقة أخرى ، وإن الظلم الموجود اليوم في دولنا هو بما كسبت أيدينا لقوله تعالى: (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) ، بل إننا نستحق أن نتعرض لظلم أكثر مما نتعرص له اليوم ولكن لأن الله “يعفو عن كثير” ولأنه تعالى “لا يؤاخد الناس بما كسبوا” فإنه رفق بنا ورحمنا وقلل الظلم الذي نتعرض له “فلو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة” ، لذا فإن علينا أن ندعو لإصلاح النفس وندعو لسمو الأخلاق تلك الأخلاق التي سبقنا في بعضها الشرق والغرب.
إن من الفساد الذي تعانيه مجتمعاتنا أن يتحدث الجميع بالشأن السياسي ويعترضوا على سياسيات الدول ولم يطلعوا على مقدار العشر مما خفي من الحقائق ، فهم يحكمون على الأمور منطلقين من إشاعات لا أصل لها وروايات لا زمام لها ولا خطام ، فلو تحدث صاحب كل اختصاص باختصاصه لكانت أحوالنا أفضل بكثير ، والله المستعان.