للأماكن سرها - وللأماكن عبور وأثر - وللأماكن سيرة ذاتية، والأكثر هي ماضي كل من يخوض في زواياه، وللأماكن التجلي والتكوين الأول للألوان والرسم، والمكان هو الكفيف لرؤيتنا، فهو يسمي قصصنا، يكون فيها التشكيلي-التشكيلية، ساردين لما يدور في أغوار المكان، في المرسم تتراءى كل كيانات وحيوات البشر من منفى - موتى - ضياع - ذكرى، قد لا يعني للكثيرين هذا المكان إلا بوصفه مكانا لقضاء الحاجات والغايات فحسب!، لا يعلم التشكيليون ان المرسم هو ما يرتب وينظم ألوانه، هو آلهة الرسم، هو آلهة الأفكار، ولغة الألوان وهويته، وهو ما يعاقب على أخطائنا.
والسؤال... كم من تشكيلي - تشكيلية، يعبد ذلك المكان؟، كم من معجزة حدثت في المرسم؟، كم سقوطا تعرض له التشكيلي في هذا المشهد الملحمي للمرسم؟، هل دافع التشكيلي - التشكيلية عن هبات هذا الإمتاع في الفن؟، أم ان شهوة الشهرة هي الخلاص الأبدي لكل قمة!، ما معنى أن نلقب بتشكيليين ونحن على يقين بأن تلك ليست قوانين الفن إنما قواعد تصدر إلى كل من يمتلك بجيبه حفنة أموال ورغبته بوضع تاج ملك -ملكة جمال الفن، وأقصد هنا تتويجه، ولا أختلف على كلاهما، فهم لديهم وسائل التنصل والتقرب من أصحاب الغاليرهات، والمقتنين بالطبع، بعضهم يتبع صيغة الغباء، والآخر يجور بفعل عبثي يعده سلفا قبلا ولوجه لشجرة الإثمار بالفن، وأعني الاستثمار على طريقته، ولا يصاب التشكيليون بداء الولع - الغيرة -الغرور من ذلك المكان، فهو بريء من أفعالهم، انما من الأرض الخصبة التي انهالت عليه بالمال قبل صنع الذات، والعمل الفني بالنسبة إليه كقيمة البورصة، انخفاض وارتفاع.
وتصل أحيانا إلى ثمن الخبز، فالمكان - المرسم هو ضحية التشكيليين، الذين يستغلونه لغرض توليد منجزات فنية، لا تختزل العمل البصري والمتغيرات التي تطرأ في الحياة الإنسانية، إنما بتأمين إرث ينهض «على من يزود»، ومن يدفع أكثر يستطيع أن يحتكرني، فهذا ما يعجب التشكيلي - التشكيلية، أو «شيك على بياض!»، لا يتوجب أن نقحم مسبقات نظرية لمعالجة حالات مرضية كانت ومازالت تتفشى في عالم، ولا يجوز أن نفترض دواء يفشي المكان من جشع التشكيليين، والحكام هنا الأذواق والمصالح الشخصية، والآخرون الموضوعيون بتطبيق التجريب والبحوث الفنية ما هم إلا بلهاء ومجازفتهم في المشهد المكاني مفقودة جوهرياً.