العدد 2205
الثلاثاء 28 أكتوبر 2014
البرلمان البريطاني والقضية الفلسطينية
ستة على ستة
الثلاثاء 28 أكتوبر 2014

في الوقت الذي انشغلت فيه دول العالم بمشكلاتها الداخلية وابتعدت الدول العربية كثيرًا عن القضية الفلسطينية، بدا البرلمان البريطاني وكأنه برلمان عربي مازال حالمًا بحل الصراع العربي الإسرائيلي ومتمسكًا بالأمل في التوصل لتسوية مقبولة ومرضية.
في الثالث عشر من أكتوبر الجاري، تبنى مجلس العموم البريطاني قراراً تاريخياً بأغلبية 274 صوتا مقابل 12 صوتًا، يطالب فيه الحكومة البريطانية بالاعتراف بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل؛ ليكون هذا القرار هو الأول من نوعه في تاريخ بريطانيا.
صحيح أن التصويت رمزي ويحمل دلالات معنوية وأدبية أكثر منها سياسية أو قانونية، إلا أنه يعبر عن تحول في المزاج البريطاني العام تجاه القضية الفلسطينية، ويؤشر إلى أن البرلمان البريطاني ربما يحدث حراكًا أوروبيًا أو دوليًا إيجابيًا، فالبرلمان نفسه ينظم يومًا تضامنيًا مع القضية الفلسطينية في نوفمبر من كل عام، لكنه اضطر تحت الضغط الشعبي لتقديم هذا اليوم إلى شهر سبتمبر (الماضي)، حيث توافد المئات من المواطنين لمقابلة نوابهم؛ للضغط عليهم من أجل رفع الحصار عن قطاع غزة وتحقيق العدالة للفلسطينيين، وبعد أن بعث نحو 61 ألف بريطاني برسائل إلى نوابهم خلال الحرب على غزة يسألونهم فيها عما قدموه من أجل إنهاء العدوان وفك الحصار عن القطاع.
فالشارع البريطاني لم يكن كنظيره العربي الذي لم يجد وقتًا أو ربما رغبة في التعبير عن التعاطف مع أبناء قطاع غزة بفعل التشويش الإعلامي الذي حصل وحول هذه الحرب إلى “عقاب” مستحق لحركات المقاومة الفلسطينية أو رد فعل طبيعي من الدولة الصهيونية تجاه “صواريخ” المقاومة، بل وصل الأمر إلى مباركة العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين؛ لأنهم رفضوا الرضوخ والقبول بالفتات ولم يتنازلوا عن حقوقهم كما فعل الكثيرون.
فقد نشرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) دراسة كشفت عن أن 72 % من البريطانيين ينظرون لإسرائيل نظرة سلبية، وأن نسبة المؤيدين لفلسطين في البرلمان البريطاني ارتفعت من 20 % إلى 30 % وفي المقابل انخفضت نسبة المؤيدين لإسرائيل إلى 12 %.
ورغم أن الاعتراف الذي حدث من قبل مجلس العموم البريطاني بالدولة الفلسطينية غير ملزم للحكومة البريطانية، إلا أنه قد يكون مقدمة لاعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية خصوصا في حال تولي حزب العمال (صاحب اقتراح الاعتراف بالدولة الفلسطينية في البرلمان) مقاليد السلطة في بريطانيا.
إضافة إلى ذلك، كان تصويت مجلس العموم كافيًا أيضًا لإيقاظ مشاعر الإنسانية لدى بعض الدول الأوروبية ومن بينها فرنسا وإيطاليا، حيث إنه بعد يوم واحد من تصويت البرلمان البريطاني، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إن بلاده يجب أن تعترف بدولة فلسطينية، معتبرا أن ذلك سيساعد في تحقيق السلام.
من جانبها دعت وزيرة الخارجية الإيطالية فيديريكا موغيريني إلى الإسراع في قيام الدولة الفلسطينية، بينما كانت السويد سباقة في الإعلان عن أنها تنوي الاعتراف بدولة فلسطين، مما جعل الخارجية الإسرائيلية تستدعي السفير السويدي للاحتجاج رسميا على هذا القرار.
كل ذلك، جعل إسرائيل لا تفوت هذا التصويت؛ لأنها تدرك مخاطره وتداعياته التي قد تتصاعد تدريجيًا إذا لم تواجه بالحسم والردع الكافيين، إذ قالت الخارجية الإسرائيلية إن تصويت البرلمان البريطاني يسيء إلى عملية السلام، مؤكدة أن اعترافا دوليا سابقا لأوانه سيوجه رسالة مقلقة إلى القادة الفلسطينيين بأن بإمكانهم تفادي الخيارات الصعبة المفروضة على الجانبين، وهذا من شأنه أن يقوض فرص تحقيق سلام فعلي.
وتزداد قيمة هذا التصويت من جانب مجلس العموم البريطاني باعتباره يجسد فشلاً للوبي الصهيوني المؤيد لإسرائيل في بريطانيا وللدبلوماسية الإسرائيلية التي حاولت إقناع أعضاء البرلمان البريطاني برفض القرار لكنها فشلت، كما تزامن التصويت مع المساعي الفلسطينية لاستصدار قرار دولي عن مجلس الأمن يلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967.
والآن، علينا ألا ننشغل برمزية التصويت في مجلس العموم البريطاني بقدر ما يجب أن نهتم باستثمار هذه الخطوة من قبل الدولة الفلسطينية والمجموعة العربية خصوصا أنها جاءت من برلمان الدولة التي تتحمل “تاريخيًا” المسؤولية عن الأوضاع الراهنة بعد أن أصدرت منذ نحو قرن من الزمان وعدًا “احتلاليًا” وهو وعد بلفور وما ترتب عليه قانونياً وسياسياً.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .