فوارق استراتيجية وعسكرية وتسليحية رهيبة لا يمكن حصرها بين الحشد الدولي الذي يضم دول كبرى وبين تنظيم “داعش “ الإرهابي الذي يتكون من بضعة آلاف من الأفراد الذين وجدوا أنفسهم فجأة يمتلكون قوة خارقة سواء أتت لهم دون قصد بعد هروب أفراد الجيش العراقي فاستولوا على مدرعات ودبابات وغيرها من المعدات من وحدات الجيش في المناطق التي سيطروا عليها، أو تمكنوا من شرائها بعد أن دانت لهم السيطرة على بعض حقول النفط .
بحسابات المنطق والعقل ، فإن أي مواجهة بين الجانبين لا يتوقع أن تستمر طويلاً أو أن تكون حربًا مجهدة وشاقة على التحالف الأقوى والأكثر جمعًا وعتادًا كونه قادرًا على سحق الطرف الأخر بكل سهولة إن أراد ذلك بحق .
إلا أن مجريات الامور على أرض الواقع تثير تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة في ظل الصعوبات الكبيرة التي يواجهها التحالف في تلك المواجهة التي حدد ميعادها ومجالها وأهدافها، فوفقًا لخبراء عسكريين وسياسيين عراقيين فإن ميزان القوى في محافظة الأنبار انقلب لصالح “داعش”، بعد امتلاكه صواريخ “ستريلا” المحمولة على الكتف التي أُسقطت بها ثلاث طائرات مروحية إحداها روسية الصنع متطورة، وذلك بعد سقوط مدينة “هيت” في قبضة مسلحي التنظيم.
بات سقوط الأنبار في قبضة “داعش” متوقعًا، حيث إن المسؤولين العراقيين يشيرون إلى أن التنظيم يسيطر حاليًا (حتى 15/10) على نحو 80% من أراضي الأنبار، وهناك مخاوف من تمدد تلك الجماعات وسيطرتها على باقي مدن المحافظة، مشيرين إلى أن عناصر التنظيم حصلوا على صواريخ “ستريلا” من تجار الحروب والمنظمات الإرهابية الدولية، وهو ما دفع إلى طلب مساعدة القوات الأميركية كونها تعرف طبيعة المنطقة ، فضلاً عن طلب الاستعانة بضباط الجيش العراقي السابق .
دلالات سقوط الأنبار خطيرة، فإذا استولى تنظيم “داعش” على هذه المحافظة العراقية الاستراتيجية فسيكون ذلك بمثابة هزيمة كبيرة للتحالف الدولي، وسيتمكن التنظيم من الاستيلاء على معدات عسكرية نوعية تعزز قدراته في سوريا حيث يخوض معركة غير محسومة حتى الآن في مدينة كوباني أو عين العرب ، فضلاً عن أن التنظيم سيكون على مقربة من العاصمة العراقية بغداد .
كل ذلك دفع إلى تحرك أمريكي من نوع أخر، حيث تستعد قوات التدخل السريع الأمريكية، وقوامها 2300 عسكري من المارينز للتدخل في العراق خلال الفترة القريبة المقبلة، لمنع سقوط محافظة الأنبار، إضافة إلى تمركز مستشارين عسكريين أمريكيين في قاعدتي “الحبانية” و”عين الأسد” بمحافظة الأنبار، غرب العراق، لتهيئة متطلبات نشر قوات التدخل السريع الأمريكية، لأن الوضع الأمني بات في غاية الخطورة .
مما يزيد الأمور غرابة والتباسًا في تلك الحرب الدولية الدائرة ضد “داعش “ ذلك الموقف الإيراني “المثير”، حيث قال وزير الاستخبارات الإيراني سيد محمود علوي مؤخرًا، إن المخابرات الإيرانية على علم بجميع الخطوات التي يتخذها تنظيم “داعش” الذي يشكل تهديدا لإيران، وأنها قدمت دعما استخباراتيا للعراق وسوريا منذ أن بدأ خطر تنظيم الدولة بالظهور، مضيفًا :”إن الوضع في العراق وسوريا كان سيختلف كثيرا لولا ذلك الدعم الاستخباراتي”.
فهل الوزير الإيراني كان يعرف أيضًا تلك المكاسب التي يحققها التنظيم الإرهابي في الأراضي العراقية والسورية لكنها يمتلك وجهة نظر مختلفة في تقييم هذه المكاسب ، معتبرًا أنها ليست في صالح داعش وإنما في صالح الشعبين العراقي والسوري أم أنه ينتظر لحظة الإعلان عن فشل الحرب الدولية ضد “داعش “ ، ليقول عندئذ :”أنا لها أنا لها “.
بينما كان الجانب الأمريكي أكثر واقعية حينما اعترف بتقدم داعش ، حيث أقر الجنرال جون آلن، المبعوث الامريكي الخاص المسؤول عن بناء تحالف ضد التنظيم بأن الأخير أحرز “تقدما كبيرا” في العراق، معتبرا أن الضربات الجوية ضد معاقل التنظيم في العراق وسوريا تتم على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، مؤكدًا أن الدول التي انضمت الى التحالف الدولي “توافقت” على القول إنه “إذا كان الجانب العسكري مهما فإنه غير كاف” للتصدي للتنظيم المتطرف.
والآن نحن بانتظار الجوانب الأخرى التي ستقررها الدولة الأمريكية وتفرضها على دول المنطقة استكمالاً لتلك الحرب “الغامضة” ضد هذا التنظيم “الخارق”.