مرة أخرى تقدم كل من بريطانيا وأميركا أمثلة تؤكد على تراجع القيم والمفاهيم الديمقراطية التي يحاول الغرب تلقينها لدول العالم الثالث خصوصا للدول العربية، ما يؤكد التفاوت الشاسع بين ما ترفعه هذه الدول من شعارات وما تطبقه على أرضها من إجراءات وما تحاول فرضه على الدول الأخرى من خطوات وسياسات.
في المرحلة الأولى للديمقراطية كان الغرب يسعى لبناء نماذج إيجابية ويحاول نشر هذه النماذج في باقي دول العالم بأساليب مقبولة وممارسات مشروعة إلى حد كبير، فكان هناك توافق كبير بين التزام هذه الدول بالديمقراطية داخليًا وخارجيًا.
ويمكن اعتبار أحداث 11 سبتمبر 2001 التي وقعت بالولايات المتحدة الأميركية إيذانًا ببدء مرحلة ثانية من الديمقراطية الغربية حيث وقع الانفصال وظهر التناقض بين الالتزام بالديمقراطية على الصعيد الداخلي وعدم التقيد بها على الصعيد الخارجي.
وقامت أميركا بإجبار كثير من الدول على اتخاذ إجراءات تتناقض مع المبادئ الديمقراطية كما تورطت في ممارسات وحشية وأفعال غير أخلاقية وغير قانونية كما حدث في سجن أبوغريب بالعراق ومعتقل غوانتنامو، فضلاً عن القوانين والتشريعات التي صدرت بغرض التضييق على الأجانب خصوصا العرب والمسلمون في الولايات المتحدة الأميركية.
إذا في هذه المرحلة تخلى الغرب عن الديمقراطية على الصعيد الخارجي، حيث كان تحقيق الأمن والقضاء على “الإرهاب” في صدارة الأولويات ولم تطبق الديمقراطية إلا على أبناء الدول الغربية.
ومنذ أحداث عام 2011م وما يعرف بالربيع العربي، بدأ هذا الغرب يتخلى عن ديمقراطيته سواء في الداخل أو في الخارج، بل وبات هذا الغرب أكثر إساءة للقيم والمبادئ الديمقراطية في حين ظهرت كثير من الدول العربية أكثر التزامًا وتمسكًا بتلك القيم.
معنى ذلك، أن الغرب عندما كان يعيش مرحلة من الاستقرار التزم بالديمقراطية وانشغل بجدية في كيفية نشرها بين دول العالم، لكنه بعد أن واجه أحداث 11 سبتمبر بدأ يتخلى عن تلك الديمقراطية خارجيًا لأجل ضمان أمنه واستقراره، ثم تخلى الغرب عن ديمقراطيته تمامًا داخليا وخارجيًا منذ عام 2011 بعد أن وصلت الأزمات لأراضيه والمشكلات بين مواطنيه.
جاء ذلك في الوقت الذي أثبتت فيه بعض الدول العربية ومن بينها مصر والبحرين التزامًا شجاعًا بالمبادئ الديمقراطية رغم صعوبة التحديات والمشكلات التي تواجهها ما يثبت أن هذه الدول جادة في إيمانها بالديمقراطية بينما الدول الغربية كان التزامها بالديمقراطية “هشًا” ولم يقدر على الصمود عندما واجهت أزمات ومشكلات.
الأمثلة والشواهد على تناقض الغرب وتخليه عن ديمقراطيته كثيرة، منها تعامل السلطات البريطانية مع أحداث الشغب التي حدثت في أغسطس من عام 2011 وتعامل السلطات الأميركية مع المتظاهرين في أحداث وول ستريت في أكتوبر من نفس العام. ولعل آخر هذه الشواهد حتى الآن ما أعلنه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون نهاية أغسطس الماضي من أنه تقرر منح الشرطة البريطانية حق حجز جوازات السفر في المنافذ الحدودية إذا تم الاشتباه في اي شخص بأنه يسعى للالتحاق بصفوف جماعات متطرفة في الخارج، وأنه سيتم ايضا سحب الجنسية البريطانية من الأجانب المتجنسين الذين يقاتلون في صفوف (داعش) او أية مجموعة ارهابية مؤكدا انه سيتم الى جانب ذلك منعهم من العودة الى بريطانيا.
هذا في الوقت الذي تشن فيه كل من بريطانيا وأميركا الهجوم والحملات ضد الدول العربية التي تقوم باتخاذ نفس السياسات والإجراءات رغم أنها تواجه عنفًا خطيرا وإرهابًا كبيرًا.
وكشفت الاحتجاجات في ولاية ميسوري الأميركية خلال الشهر الماضي زيف الدعاوى الأميركية عن الحريات وحقوق الإنسان، حيث تعاملت قوات الشرطة بمنتهى العنف مع مطالب محتجين لم ينادوا بإسقاط الدولة، بل خرجوا محتجين على مقتل شاب أسود اللون من أصول أفريقية، فجلبت لهم الحكومة الأميركية كل أدوات الردع من القنابل المسيلة للدموع والأسلحة الثقيلة والكلاب المدربة، وصولا إلى فرض منطقة حظر جوي على الولاية لكتم أصوات المحتجين عن العالم الخارجي.
ورصدت مجلة “ليكسبريس” الفرنسية الأخطاء التي ارتكبتها الشرطة الأميركية، وهي: اعتبار مدينة فيرجسون منطقة حرب، حيث قامت الشرطة بنشر واستخدام مدرعات وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، رغم أن الغالبية العظمى من هذه الاحتجاجات كانت سلمية، عرقلة “حرية الصحافة”، حيث واجه العديد من الصحافيين الذين يحاولون تغطية الأحداث في فيرجسون عقبات من الشرطة المحلية، وتعرضوا لكميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع، إثارة وزيادة شبهات عنصرية، حيث شكا بعض المواطنين من قيام الشرطة باستخدام الكلاب للسيطرة على حشود المحتجين كما سجلت شبكة “سي إن إن” الإخبارية لأحد رجال الشرطة سبه للمتظاهرين ووصفه لهم بأنهم حيوانات.