مازال مسلسل استنزاف الوطن مستمرًا ومن قبل مؤسسات كان المؤمل منها والمفترض فيها أن تكون في مقدمة المدافعين عن هذا الوطن وحمايته من الألاعيب الضارة والممارسات الخطرة خاصة المؤسستين التشريعية والقضائية، فإذا بها تستثمر ما منحها الشعب المصري من صلاحيات وما وضعه فيها من ثقة في تسديد اللكمات وتوجيه الضربات لغيرها من المؤسسات على حساب هذا الشعب ومصالحه ومستقبله.
ومع استمرار هذا الصراع، تطورت أدواته وفنونه وتوسعت حدوده ومجالاته حتى وصلت إلى مؤسسة تعد مثالاً رائعًا في الالتزام والحيدة والنزاهة وهي مؤسسة الجيش المصري الذي جنب البلاد ويلات خطيرة وشرور كثيرة بفضل انتمائه وولائه للشعب وإعلائه مصلحة الوطن على ما عداها من مصالح وابتعاده عن السياسة بحيلها وفساد ممارساتها وغموض تكتيكاتها.
والمعروف أن حياد الجيش وعدم تدخله في السياسة ليس وليد اللحظة وإنما هي إحدى السمات الراسخة والمعالم البارزة التي تميز الجيش المصري طوال تاريخه مع وجود استثناءات في فترات محدودة، وهو ما أفضى إلى تلاحم ممتد بين هذا الجيش ومختلف مكونات الشعب والذي توج وتجسد خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011 م في شعار “الشعب والجيش إيد واحدة”.
ولكن يبدو أن هذا الشعار وتطبيقه على أرض الواقع لم يعجب البعض الذي راح يتدخل لكي يجعل من اليد الواحدة أياد كثيرة تبطش هنا وهناك، وكان من بين هؤلاء المحكمة الدستورية التي قررت بمحض إرادتها وبمبادرة منها ودون أن يطلب منها منح العسكريين حق التصويت من باب تحقيق المساواة بين مختلف فئات الشعب، رغم أن هذه المحكمة ذاتها ومؤسسة القضاء بكاملها رفضت ومازالت تحقيق هذه المساواة بين القضاة وبين غيرهم من أفراد المجتمع.
ودون الدخول في جدل فقهي وقانوني حول هذا القرار للمحكمة الدستورية، فإنه برأيي لا يخلو من أهداف وغايات غير بريئة كما أنه يحمل مخاطر كثيرة على أمن هذا الوطن ووحدته وذلك بالنظر إلى أمور عدة في مقدمتها توقيت صدور القرار، إذ أنه يأتي متزامنًا مع خلاف حاد بين السلطتين التشريعية والقضائية على خلفية مشروع قانون تعديل السلطة القضائية الذي ينوي مجلس الشورى مناقشته رغم عاصفة الانتقادات والمعارضات من قبل اعضاء السلطة القضائية، فكان الرد متمثلاً في قرار المحكمة الدستورية منح العسكريين حق التصويت في الانتخابات.
فالقرار بمثابة رسالة إلى مجلس الشورى بأن السلطة القضائية تمتلك أيضًا أدوات وآليات تستطيع من خلالها أن تتحكم في مجريات الأمور وأن تحرك الساحة السياسية في اتجاه مضاد للاتجاه الذي يريده مجلس الشورى أو بمعنى أصح غالبية أعضائه الذين ينتمون للتيار الإسلامي ويسرفون في سن التشريعات التي تصب في صالحهم وهيمنتهم على الساحة ـ وفقًا للسلطة القضائية.
كما يوجه القرار رسالة أخرى لرئاسة الجمهورية تحمل نوعًا من العتاب أو ربما العقاب على عدم تدخلها الحاسم لوقف مناقشة مشروع قانون تعديل السلطة القضائية. ففي تقدير المحكمة الدستورية أن هذا القرار سيضع ضغوطا على رئاسة الدولة وسيحدث ارتباكا في صفوف جماعة الإخوان المسلمين بسبب دخول قوة تصويتية هائلة غير مضمونة بما قد يقلل من فرص فوزهم في الانتخابات مستقبلا سواء التشريعية أو الرئاسية.
وبالرغم من كل ذلك، فإن قرار المحكمة الدستورية باعتقادي قد لا يؤدي إلى الغاية المنشودة منه وتحديدًا موازنة قوة الإخوان المسلمين “أو التيار الإسلامي عمومًا” الانتخابية بإضافة كتلة تصويتية ترجح المحكمة أن تكون في غير صالح هذا التيار، بل وربما يصب هذا القرار في صالح التيار الإسلامي خاصة إذا علمنا أن القواعد الانضباطية وطبيعة الحياة العسكرية هي التي تفرض على المنتمين إليها عدم الانتماء السياسي أو على الأقل عدم الإعلان عن هذا الانتماء بالقول أو بالفعل، وبمجرد أن تتاح لهؤلاء فرصة للتعبير عن انتماءاتهم فقد نجد أن معظمهم يميلون للتيار الإسلامي ويصوتون له، ولعلنا نتذكر قضية أفراد الشرطة “الملتحين” والتي تشير إلى أن الكثيرين قد يميلون للتيارات الاسلامية.
من جانب آخر، فإن السماح للعسكريين بالتصويت في الانتخابات سيؤدي حتمًا إلى استقطابات داخل هذه المؤسسة التي تتميز حتى الآن بأنها كتلة واحدة منسجمة لا تكاد تشعر بأي انقسامات أو اختلافات بين المنتمين إليها، وسوف تزداد فرص الانقسام هذا بالنظر إلى طبيعة المجتمع المصري في هذه المرحلة وخاصة من حيث الانقسام الشديد وعدم احترام الرأي الآخر، فكل شخص الآن يتعامل مع صاحب الرأي الأخر على أنه عدو له ويحل له إيذائه أو حتى قتله وهو الأمر الذي تكرر كثيرًا في الفترة الأخيرة.
ولاشك أن منح العسكريين حق التصويت يثير تساؤلاً رئيسيًا وهو: إذا كان المواطن العادي “المدني” يلجأ إلى بعض الممارسات للتعبير عن معارضته، ومنها أنه قد ينضم إلى حزب معارض للضغط على صانع القرار والتعبير عن رفضه لسياساته وقراراته، فهل سيكون هذا هو حال العسكريين في مثل هذه الظروف، أي هل سيكون الجيش معارضًا لسياسات وقرارات الرئيس على سبيل المثال ويرفض تنفيذ هذه القرارات لأنه معارض له؟ ولنا أن نتخيل ونتفكر في عواقب مثل هذا السيناريو المحتمل.
بظني ان قرار المحكمة الدستورية يصب في الاتجاه الخاطئ، حيث إن تفتيت المؤسسة العسكرية بين مؤيد ومعارض يؤدي بالنهاية إلى ضعف هذه المؤسسة، بينما البقاء عليها كما هي موحدة وبعيدة عن الشأن السياسي هو الضامن لقوتها واستمرارها ندًا بل ورادعًا لأي قوة أخرى قد تنحرف عن المصلحة الوطنية، والأمل منعقد على وزير الدفاع نفسه وليس الأطراف الأخرى التي لا ترى سوى مصالحها حتى وإن كانت على حساب الوطن.