يبدو أن الفراغ القاتل الذي تعيشه جامعة الدول العربية دفعها إلى البحث عن اي دور حتى لو رعاية ندوة ومناقشة اية قضية حتى لو كانت حجاب المرأة، فقط لكي تقول “نحن هنا” فمازلت أنا الجامعة للدول العربية القادرة على حل مشكلاتهم الكثيرة وأزماتهم الخطيرة.
بالطبع، المشهد العربي متخم بالقضايا ويعج بالأزمات التي تحتاج إلى مناقشات ومباحثات طويلة وجادة لعلاجها ووضع حلول لها بما يؤدي إلى تحقيق قدر من الاستقرار بات مفقودًا بشدة وجزء من الأمن أضحى حلمًا بعيد المنال لشعوب عربية كثيرة.
إلا أن الجامعة العربية رأت خلاف ذلك أن الأمور على ما يرام، فالشعب السوري يعيش آمنًا مطمئنًا بلا منغصات “بشارية” تدفعه مضطرًا للخروج من بيته أو ترك وطنه، بينما الأمور في العراق على ما يرام والشعب يعيش في وفاق ووئام ولا يتعرض لحرب مذهبية يقودها رئيس الوزراء بنفسه ضد أبناء الطائفة السنية. أما ليبيا فقد ساد ربوعها الأمن وانتشر في ميادينها الاستقرار وكذا الوضع في تونس ومصر وغيرها من الدول.
أما عن الأعداء والخصوم فقد باتوا مألوفين مستأنسين ولا يحملون اية نوايا عدوانية، بل يحملون بشائر الخير وسيحققون أحلام السعادة للشعوب العربية، فإسرائيل تتحالف معنا ضد بشار الأسد وترجمه بالغارات، وإيران تسعى لتطبيع العلاقات معنا ولا تتدخل سلبا في شؤوننا، وواشنطن وموسكو تبذلان كل جهدهما لتسوية أزماتنا وحل مشكلاتنا وتحافظان على أمننا وأموالنا.
وأمام هذا الوضع العربي “المستقر الآمن” وفي ظل وجود متسع من الوقت، اتجهت الجامعة العربية إلى بحث القضايا “المؤرقة” والهموم الموجعة لكل عربي وعلى رأسها قضية “الحجاب” الذي تحول لصداع مزمن يحتاج إلى حلول جذرية من خبراء الجامعة العربية التي تفضلت مشكورة برعاية حلقة نقاشية عن هذه القضية الخطيرة التي تطرق كل باب وتهدد كل فرد وذلك على هامش انطلاق ندوة (الاستراتيجية الإقليمية لحماية المرأة العربية - الأمن والسلام) والتي أقامتها جامعة الدول العربية بالتعاون مع المكتب الإقليمي للمرأة التابع للأمم المتحدة.
ورغم أن الجامعة العربية تحرص على التخصص في مناقشة القضايا، إلا أنه ولخطورة الوضع فتم السماح للجميع – باستثناء رجال الدين بالطبع لأنهم هم سبب المشكلة - بان يتحدث ويدلي برأيه في المسألة من وزراء وسفراء وسياسيين ومثقفين ونشطاء وفنانين وشخصيات عامة تسابقوا في الهجوم على الحجاب واعتبروه تراجعًا للمرأة المصرية وذلك لكي يثبتوا للعالم - الذي لا يهتم ولا يشعر بهم - مدنيتهم وتحضرهم.
وقد وصل الشطط بأحدهم إلى القول: “إن مجد المرأة ظل يصعد مع صعود الفكر الديمقراطي في مصر، وبدء عملية تأسيس حركة تحرير المرأة على نحو لم يكن له وجود من قبل، إلى الدرجة التي دفعت هدى شعراوي وكثيرًا من السيدات ومنها أم المصريين السيدة صفية زغلول إلى أن يخلعن النقاب التقليدي، ويسفرن عن وجوههن، وظلت هذه الحركة مستمرة إلى نهاية الأربعينيات، ومع قيام ثورة يوليو، ظلت الحركة موجودة، لأن عبدالناصر أيدها، حيث رفض دعوة الإخوان المسلمين لأن يدعو النساء المصريات للحجاب”.
وأضاف: “إن الجامعات المصرية، لم تعرف ما يسمى الحجاب - على حد تعبيره -، معتبرًا أن تحالف الرئيس الراحل أنور السادات مع الجماعات الإسلامية، أدى إلى استعادة ما وصفه بـ “الميراث الإسلامي النقلي” خاصة ما يتعلق بحقوق المرأة. من يومها بدأنا نسمع هذا البلاء - على حد تعبيره، إلى أن حدثت ثورة 25 يناير، وظننا أن هذا بداية ربيع جديد، وتحول حلم الثورة إلى كابوس بعد أن تمت استعادة ما وصفه بالأفكار الأكثر جمودية وانغلاقًا والتي تعود لعصور التخلف والهزيمة - على حد تعبيره”.
وأشار إلى تزايد الحجاب في مصر، داعيًا إلى المقارنة بين النساء اللائي كن يحضرن حفلات أم كلثوم والوضع الحالي، معتبرًا أن هذا التغيير الذي يحدث أسوأ تغيير حدث للمرأة المصرية - على حد قوله -.
نحن أمام نوعين من الحجاب، أحدهما مفروض ومحمود للمرأة، والآخر اختياري مذموم للجامعة العربية عن القضايا والهموم العربية الحقيقية، وفي الوقت الذي تلتزم به الجامعة العربية بحجابها، فهي تعمل بكل خبرائها ومثقفيها على أن تخلع المرأة المسلمة حجابها وتتخلى عن التزامها لأنهم اكتشفوا أنه هو السر الخطير وراء ضعف العالم العربي ومعاناته وأزماته، وأنه بمجرد أن تترك المرأة حجابها ستزول جميع هذه الأزمات مباشرة.