قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن بمجرد أن تجرأ بعض نواب مجلس الشورى “الشعب مؤقتًا” وفكروا في تطوير قانون السلطة القضائية بإضافة بعض المواد وهي أن تكون النيابة العامة جزءا لا يتجزأ من القضاء، تتولى التحقيق ورفع ومباشرة الدعوى الجنائية عدا ما يستثنيه القانون، وأن يتم تعيين النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية بناء على اختيار مجلس القضاء الأعلى، وخفض سن التقاعد من 70 إلى 60 عامًا، وأن تُحدد مرتبات أعضاء السلطة القضائية والهيئات القضائية وفقا لجدول موحد للمرتبات دون تمييز بين جهة أو هيئة قضائية وأخرى.
ودون الدخول في تعقيدات وإشكاليات قانونية وقضائية، نميل إلى أن الضجة المثارة ضد هذه التعديلات في غير محلها من عدة أوجه على رأسها أن الجميع يتفق بل ويطالب بإصلاح السلطة القضائية ولن نقول تطهيرها كما يصر البعض على استخدام مصطلحات وكلمات تخويفية وغير معبرة عن طبيعة ما يحدث، والذي لا يعدو كونه تعديلا على قانون قائم بما يتلاءم مع الدستور الجديد وبما يتماشى أيضًا مع المطالب العديدة التي صدرت من جهات عدة من بينهم عدد لا بأس به من القضاة الذين رأوا أيضًا أن القانون الحالي لا يتوافق مع طبيعة المرحلة وحجم تحدياتها ومتطلباتها ومواجهة الجرائم التي ارتكبها رموز وقادة النظام البائد وأن هذا القانون ذاته هو الذي وقف بالمرصاد ضد أحكام رادعة ضدهم بل ومنحهم براءات مجانية على جرائم وجنايات ارتكبوها بحق الوطن والشعب ولكن بما يتوافق مع القانون القائم.
والإصلاح والتطوير لا يعني الإساءة من قريب أو بعيد إلى تلك الجهة التي يكن لها الجميع الاحترام والتقدير، فصحيح أن القضاء المصري وقضاته على مستوى من النزاهة والكفاءة ما يجعلهم سندًا حقيقيًا للمجتمع المصري إلا أن هذا لا يمنع من التطوير الذي يجري على الصالح والطالح، بل إن الصالح يجب أن يسعى بنفسه للتطوير المستمر، إضافة إلى أن المقترحات المقدمة لا تمس قاض بعينه، بل بنودا عامة مجردة تنفي عنها تعمد إلحاق الضرر “إن كانت الإحالة للتقاعد ضررًا” لأشخاص دون غيرهم.
أما عن طبيعة المقترحات نفسها، فمن الواضح أنها لا تحمل شيئًا غامضًا مثلاً أو تعديلات سلبية، بل جميعها تبدو للإنسان العادي قبل المتخصص طبيعية ومفهومة ومطلوبة وعدم وجودها يعني وجود خلل وعدم مساواة سواء بين القضاة أنفسهم أو بين القضاة وغير القضاة، إذ على أي أساس يكون التمييز في سن التقاعد، هل هذا القاضي مخلوق ليس كغيره من الخلق ولا تنطبق عليه قوانين الحياة والزمن، وقول ربنا جل شأنه “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ”.
فإذا كان القاضي يرى أن من حقه العمل حتى السبعين عامًا، فمن حق الجميع أن يطالب بذلك، بل إن هذا القاضي الذي يسعى لتحقيق العدالة يجب أن يطالب هو نفسه برفع سن تقاعد إلى السبعين عامًا تحقيقًا للمساواة بين جميع أفراد المجتمع أو أن يجعل سن تقاعد القضاة كما هو معمول به وهو سن الستين عامًا.
والمنطق ذاته ينطبق على التمييز بين القضاء العاملين بالهيئات القضائية المختلفة وخاصة من حيث المرتبات، وهو التمييز الذي يثير الحقد بين هذه الفئة، كما يفتح باب الفساد والمحسوبية واسعًا، وغلق هذا الباب يبدو منطقيًا وعادلاً ومطلوبًا لا شبهة فيه على الإطلاق.
أما عن ردود فعل القضاة تجاه هذه المقترحات، فمن الواضح أن وجوهًا بعينها هي التي تتصدى لهذه المقترحات وانحرفت كثيرًا في رد فعلها، حيث لجأ هذا النفر من القضاة إلى الاستقواء بالخارج ضد الدولة واستدعاء التدخل “الأوبامي” لإنقاذ القضاء ووصل الأمر إلى التهديد بمحاصرة مجلس الشورى لمنعه من مزاولة مهامه في مناقشة تعديل قانون السلطة القضائية، وجميعها تصرفات مستغربة ومستهجنة وخاصة أنها تزامنت مع رفض ما يسمى بنادي القضاة رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات في الوقت الذي رحبت فيه المؤسسة العسكرية على ما لها من خصوصية وحساسية بالغة بالتفتيش عليها من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات.
خلاصة القول، إن طبيعة المقترحات المقدمة لتعديل قانون السلطة القضائية وضرورة إدخال هذه التعديلات لإصلاح وتطوير هذه المؤسسة المهمة وردود الفعل المبالغ فيها والتي لا ترتكز على المقترحات بقدر ما تهدف إلى عدم المس بتلك السلطة وبأعضائها سواء بالإيجاب أو بالسلب وكأنها لا تندرج ضمن مؤسسات المجتمع أو أن أعضاءها فوق البشر جميعا يجعلنا نقول إن وراء تلك الحملة الشعواء غايات أخرى وأهمها إبقاء الدولة في حالة من الضعف والوهن وعدم القدرة على محاربة الفساد وملاحقة المفسدين بما يزيد من الاستياء والغضب الشعبي ضد السلطة والحكم وربما الدفع باتجاه ثورة جديدة ضده لإسقاطه.