غرقت الساحة المصرية بمختلف اطيافها وتوجهاتها في ظاهرة خطيرة تتمثل في “شهوة الكلام” التي تملكت من كثيرين وألقت بتداعياتها السلبية على مجريات الأحداث في مصر، فقد رأينا الجميع - إلا ما رحم ربي- خبيرًا وناشطًا ومحللاً يبدي رأيه ويدلي بدلوه في كافة القضايا وجميع الموضوعات سواء طلب منه ذلك أم لم يطلب منه، كما صعقنا بمسؤولين وقياديين يتورطون في تصريحات مثيرة للجدل ومحبطة للرأي العام في ظل السياق الذي تقال فيه واحتمالات الأهداف التي ترمي إليها.
بداية، نخلي ساحتنا من التعميم، حيث لا يمكن القول إن جميع من يتحدث لا يفقه شيئًا فيما يقول أو يحمل نوايا سيئة لما يقوله، إلا أن الملاحظ هو الإفراط في الحديث، والمبادرة إلى الحديث دون استدعاء، وتناول كل الأحداث وكأن المتحدث أوتي من العلم ما لم يؤت غيره، فضلاً عن عدم دقة وحكمة معظم الأحاديث، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قليل من الكلام وكثير من الأفعال.
والحقيقة أن هذه الظاهرة الخطيرة لا تخص جهة بعينها أو فئة بذاتها بل تمتد وتطال كثيرين ابتداءً برئيس الدولة الدكتور محمد مرسي مرورًا برئيس الحكومة والموالين للسلطة وكذلك المعارضين لها ووسائل الإعلام وغيرهم.
بالنسبة للمعارضة، فمن المفهوم أن حديثها ينصب على انتقاد السلطة وممارساتها وقراراتها حتى لو كانت في الاتجاه الصحيح، حيث يتم التقليل من شأن مثل هذه القرارات الصحيحة، وتغليف ذلك بشعارات قد تبدو مقبولة للمواطن لكنها تخفي أغراضا ونوايا أخرى.
إلا أن الأخطر في تصريحات المنتمين لهذا الجانب المعارض أنها تحمل تحريضًا ضد النظام في بعض الأحيان، كمن يروج لثورة جياع ويؤكد انهيار الاقتصاد ومن يصر على القول بأن شرعية الرئيس قد سقطت وأن الدكتور محمد مرسي لم يعد رئيسًا لمصر، وكذلك من يطالب بانقلاب العسكر على الحكم ومن يدعو إلى انتخابات رئاسية مبكرة ومن يطالب الرئيس بالتنحي، فجميعها أحاديث لا تخلو من تحريض ضد النظام والانقلاب على الحكم، كما إنها أحاديث تعكس ضعف هذا التيار وعدم امتلاكه لما يقدمه للمواطن باستثناء الكلام الذي لا يجدي نفعًا في ظل الواقع المؤلم الذي يعيشه معظم أفراد الشعب المصري.
لقد اثبت هؤلاء أنهم يحملون حقدًا شديدًا على الرئيس ونظامه خاصة أن بعضهم أو لنقل رموزهم قد فشلوا في جميع النزالات الانتخابية، كما أخفقوا في التأثير الحقيقي على ما يتخذ من قرارات وسياسات مفصلية خاصة بعد تحالفهم مع عناصر فلولية معروفة، فبات واضحًا أن الانتقام من السلطة هو هدفهم ومقصدهم من تحركاتهم وتصريحاتهم، وهو ما جعل هذه التصريحات أيضًا تفتقد القبول العام وتغيب عنها الموضوعية اللازمة.
ولعل هذا هو ما جعل جبهة الإنقاذ تنتقل إلى كندا بعد أن ضاقت مصر ذرعًا بتصريحات زعمائها الفارغة، فراحوا يروجون لهذه التصريحات في بلاد أخرى ربما يجدون من يستمع إليهم وينصت لهم.
أما وسائل الإعلام، فرغم أن شغلها الشاغل هو “الكلام” عن الأحداث والواقع، إلا أن الملاحظ أيضًا انحراف البعض عن الكلام الموضوعي الجاد الهادف إلى الإصلاح نحو الكلام الموجه الذي يرمي إلى إثارة البلبلة حول النظام الحالي، ويمكن اكتشاف هذا الأمر بسهولة للمواطن العادي سواء من حيث طبيعة ضيوف برامج القنوات الفضائية أو تركيز الحديث فقط عن الجوانب المظلمة والقضايا الشائكة دون الالتفات لأي ايجابيات في وقت تحتاج فيه الدولة والمواطن إلى إبراز هذه الإيجابيات لإعطاء جرعة من الأمل لهذا المواطن الذي أوشك على الانفجار من فرط ما يواجهه من تحديات وما يشعر به من تهميش من الجميع.
ولن نجد صعوبة في تفسير انحراف بعض وسائل الإعلام عن رسالتها الوطنية، حيث إن مالكي معظم القنوات الفضائية هم ممن يدينون بالفضل لحسني مبارك ونظامه في تضخيم ثرواتهم وتكوين امبراطوريات إعلامية، ومازال بعضهم يراوده الأمل في عودة هذا النظام الفاسد، فهم يقاومون النظام الحالي بشتى الطرق المباشرة منها وغير المباشرة لعل وعسى ينجحون في إدامة الاستياء الشعبي وربما الثورة ضده كما حدث مع المخلوع من قبل.
وإلى مقال آخر إن شاء الله