في وقت تخلو فيه الساحة المصرية من أي مظهر من مظاهر الضبط، جاء قرار النائب العام بضبط وإحضار 5 نشطاء سياسيين لاتهامهم بالتحريض على أحداث العنف التي وقعت أمام مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين بالمقطم في الثاني والعشرين من شهر مارس الجاري، وإدراج أسمائهم على قوائم الممنوعين من السفر.
وفي الوقت الذي كان من المفترض فيه أن يحظى أي قرار باتجاه ضبط الأمور بالحفاوة والتأييد، انقلب الحال مع قرار النائب العام حيث قوبل بعاصفة واسعة من الانتقادات والهجوم والرفض تفاوتت في حدتها إلا أنها اتفقت في النظر إلى القرار باعتباره بطشًا وترهيبًا ودليلاً على أن النيابة تكيل بمكيالين في تحقيقاتها، وحذرت هذه الأصوات من التأثير السلبي لهذا القرار على الحريات وحق التظاهر والتعبير عن الرأي في مصر.
وبرأيي أن قرار النائب العام يجسد الخلل الواضح في توقيت وكيفية اتخاذ القرار وهو ذات الخلل الذي جعل من قرارات رئاسية مطلوبة ومهمة لضبط كثير من الأمور جعلها مرفوضة من قطاعات كبيرة وكان من بينها بل وأبرزها الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر الماضي والذي أثار ضجة هائلة واتخذه البعض ذريعة لإثارة الشكوك وتصفية الخلافات والانتقام من السلطة رغم أن الإعلان حمل الكثير من القرارات التي كانت محل اتفاق وقبول جميع الأطراف.
إن عملية اتخاذ القرار ليست عملية سهلة كما يظن البعض ولكنها عملية معقدة بشدة ولها شروط ومتطلبات تضمن نجاح القرار في تحقيق الهدف المقصود منه دون أن يضطر الرئيس أو متخذ القرار عمومًا إلى شرح لاحق للقرار أو ربما التراجع عنه تحت الضغط الشعبي سواء كان هذا الضغط حقيقيًا و مبررًا أو كان نتاج تربص من بعض الأشخاص الذي لا يريدون استقرارًا لهذا البلد.
ويبدو أن عملية اتخاذ القرار المصري مازالت تفتقد للأسس العلمية التي تؤدي لاتخاذ قرار سليم وفي توقيت صحيح، فالقرار بحد ذاته قد يكون صحيحا ولكن فعاليته ونجاحه تتوقف على توقيت صدوره والظروف المحيطة به، فإذا صدر هذا القرار المهم والمطلوب في توقيت خاطئ وظروف غير مناسبة قد يحدث أثار عكسية غير متوقعة لصانع القرار.
وأزعم أن معظم القرارات الصادرة عن صانع القرار المصري افتقدت للتوقيت والإطار السليم لإصدارها وكانت بالتالي ذريعة لأناس باتوا يقتاتون على مثل هذه القرارات لإثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات.
ودون الدخول في تفاصيل قانونية، فقد كان السياق الذي اتخذ فيه النائب العام قرار ضبط النشطاء مثيرًا للشكوك ومحفزًا على القلق وقابلاً للأخذ والرد خاصة أنه جاء سريعًا بعد تصريحات للرئيس توعد فيها من يتلاعبون بأمن الوطن، وانصب القرار أيضًا على المنتمين لاتجاه واحد دون سواه وركز على قضية بعينها دون قضايا أخرى كثيرة كانت تفرض مثل هذا التحرك السريع والحاسم، فبدا الأمر وكأنه إيعاز من رئيس الجمهورية للنائب العام لاتخاذ قرارات يمكن أن تندرج في إطار “الانتقام” من أولئك النفر الذين ذهبوا لمقر مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين في المقطم.
لقد كانت فداحة الجرم الذي ارتكب في المقطم بحق المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين كفيلاً بإثارة تعاطف الرأي العام كله ضد المجرمين الذي قاموا أمام مرأى ومسمع من الجميع بعمليات تعذيب وسحل لا يمكن أن يرتضيها أي إنسان سوي، إلا أن صدور القرار بهذه الصورة أدى لفقدان جزء كبير من هذا التعاطف والتأييد.
علينا أن نتخيل لو سبق أو تزامن مع قرار النائب العام ضبط نشطاء سياسيين توضيحات بخصوص مجريات التحقيق في أحداث العنف التي وقعت قبل حادثة المقطم ومنها ما وقع في محيط قصر الاتحادية وفى مدن القناة الثلاث وكذلك حصار المحكمة الدستورية العليا، عندها كان سيكون تأييد قرار ضبط النشطاء واسعًا والإحراج لهؤلاء النشطاء شديدًا.
وكل ذلك لا يمنعنا من رفض رد فعل النشطاء السياسيين الذين صدر بحقهم قرار الضبط، فقد كان حري بهؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم نشطاء ونخبة وصفوة وغيرها من المسميات التي تفترض في حاملها خصائص ومزايا خاصة أن يواجهوا الموقف بشجاعة، بمعنى أنه إذا كانت لديهم اعتراضات وانتقادات لقرار الضبط، فقد كان عليهم التعبير عن هذه الاعتراضات بأسلوب مقبول ولائق وليس بتوجيه الشتائم والاستهزاء بالنائب العام والقول بأنهم لا يعترفون به ولا بشرعيته، لأن هذا هو أسلوب الضعيف العاجز عن المواجهة أو الخائف المتورط في الجريمة أو الخارج عن قيم وقوانين المجتمع المعروفة.
وختامًا، فإن الساحة المصرية بحاجة ماسة إلى الضبط الشامل على الجميع والتعامل بحزم مع العناصر المحرضة علي العنف والداعية له والمشاركة فيه سواء من هذا الطرف أو ذاك وليس ضبط طرف دون آخر أو قضية دون سواها كما يحدث حاليا.