العدد 1623
الإثنين 25 مارس 2013
زيارات اكتساب الثقة
ستة على ستة
الإثنين 25 مارس 2013

للسياسة الخارجية أدوار متعددة ما بين اقتصادية وسياسية وعسكرية وغيرها من الأدوار المعروفة عبر تحسين العلاقات وإبرام الاتفاقيات مع دول مختلفة وفتح أسواق جديدة للاقتصاد والمنتجات وتنويع مصادر السلاح.
ويبدو أن الدولة المصرية تقدم في ظل النظام الحالي نموذجًا لسياسة خارجية ترمي لتحقيق أهداف معنوية في المقام الأول، فمن الملاحظ أنه ومنذ أن تولى الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية تعددت بصورة لافتة زياراته الخارجية لدول معظمها خارج الإطار التقليدي للسياسة الخارجية المصرية وكان آخر تلك الزيارات إلى باكستان والهند، على نحو هلل له البعض باعتباره تحركًا جديدًا ونوعيًا على الصعيد الخارجي.
ورغم أن الداخل المصري المرتبك والمقلق هو الذي يحتاج إلى هذا التحرك غير التقليدي من قبل السلطة الحاكمة على صعيد القرارات والسياسات إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن، حيث نشهد تكرارًا لسياسات وقرارات كانت مرفوضة تمامًا من قبل غالبية الشعب المصري في ظل العهد البائد، ومحاولات للالتفاف من أجل تمرير بعض المشروعات والقوانين التي فشل النظام السابق في إقرارها.
وإذا نظرنا في دوافع وأهداف هذه الزيارات الخارجية بالنظر إلى الظروف التي تمر بها مصر حاليا، فإننا نجد أن هناك عدة احتمالات لتلك الزيارات ومنها أنها ربما تكون لتعزيز العلاقات مع دول خارج الدوائر المعروفة للسياسة الخارجية المصرية وذلك للتأكيد على أن السياسة الخارجية في ظل النظام الحالي تختلف عن النظام البائد حيث إنها تتوجه لدول كالهند وباكستان وجنوب السودان والتي كانت على هامش السياسة الخارجية المصرية من قبل ولم تكن موضع اهتمام يذكر.
إلا أن الزيارات الخارجية التي يقوم بها الرئيس المصري محمد مرسي ورئيس الحكومة الدكتور هشام قنديل من الصعب أن تؤتي ثمارها أو تحقق أهدافها، فهي زيارات مطلوبة ولكن في التوقيت الخاطئ بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدولة المصرية، وخاصة من حيث استمرار تردي الوضع الأمني والاقتصادي وهما أساس أي تحرك خارجي فعال وناجح، فهي تفتقد في الوقت الراهن مقومات جذب أي دولة إليها وخاصة إذا كانت من نوعية تلك الدول التي يقوم الرئيس مرسي بزيارتها.
كما أن الملاحظ أن الزيارات تشمل دول هي في أمس الحاجة للمساعدة والدعم ومنها دولة جنوب السودان ودولة العراق على سبيل المثال، ومن المعلوم أن مصر غير قادرة في ظروفها الحالية على تقديم مثل هذا الدعم.
إن خلق روابط خارجية وتعزيز العلاقات مع دول العالم أمر مطلوب وإيجابي ولكنه بحاجة إلى شروط ومتطلبات حتى لا يأتي بنتائج عكسية ويعود بالضرر على الدولة المصرية، فالسياسة الخارجية هي بمثابة الدعاية والتسويق إن صح التعبير، وإن لم تجد المنتج والبضاعة الجيدة فلن تستطيع أن تؤدي دورها بنجاح وربما يتسبب ذلك في خسارة هذه الدول غير التقليدية التي تبحث هي الأخرى عن مصالحها وفرص تعزيزها بعيدًا عن العواطف والشعارات.
ننتقل إلى الاحتمال الثاني لدوافع وأهداف هذه الزيارات وهو أن تكون لتوجيه رسالة إلى بعض الدول وخاصة الخليجية بأن مصر قادرة على مواصلة دورها حتى في ظل ما يبدو لصانع القرار المصري أنه ضغط وتجاهل خليجي، وبالتالي الضغط أيضًا على تلك الدول الخليجية للإسراع بمساعدة الشقيق المصري في محنته التي يمر بها حاليا.
ربما يقول قائل إن «التجاهل» الخليجي هو الذي دفع صانع القرار المصري واضطره إلى اللجوء إلى هذه الدول، ولكن حتى وإن كان ذلك صحيحًا فقد كان على الرئيس مرسي أن يزيل أسباب القلق الخليجي من السياسة الخارجية المصرية لا أن يزيد هذا القلق بزيارات مثيرة لدولة كالعراق وتقارب بات واضحًا مع الدولة الإيرانية.
فقد كان على متخذ القرار المصري أن يقوم بحساب التكلفة والأرباح لمثل هذه التحركات الخارجية، فخلق روابط مع دول جديدة أمر يحتاج إلى وقت طويل ولن يحدث بين يوم وليلة، إضافة إلى أن الوضع المصري الراهن لا يساعد عن إنجاح مثل هذه التحركات، ولهذا كان من الأفضل تأجيل مثل هذه الزيارات لهذه الدوائر الجديدة إلى ما بعد استقرار الوضع المصري تمامًا حتى تنجح مثل هذه الزيارات في أن تؤتي ثمارها المرجوة منها.
لقد كان التحرك في الدوائر التقليدية التي ترتبط بعلاقات وروابط خاصة مع الدولة المصرية خاصة دول الخليج هو الأجدى لمصر في ظروفها الراهنة لأن تلك الدول قد تتغاضى عن الكثير من المعوقات التي لا يمكن أن تتغاضى عنها دول مثل الهند وباكستان وغيرها من الدول الأخرى.
أما الاحتمال الأخير وهو الأقرب برأيي وهو أن الرئيس محمد مرسي يحاول أن يكتسب الثقة من هذه الزيارات الخارجية بعيدًا عن ضغوط الداخل والانتقادات التي توجه إلى أدائه من هنا وهناك، فهو بذلك يحاول الابتعاد عن هذه الضغوطات ويتعامل كرئيس لدولة مركزية مثل مصر لفترة من الوقت بعيدًا عن التعقيدات الأمنية والاقتصادية، ولكن يظل التساؤل: هل هذه الزيارات الخارجية المكثفة ستنهي حالة الارتباك والقلق المسيطرة على المشهد المصري؟ وهل ستساعد مصر في الخروج من كبوتها؟ أشك في ذلك.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .