العدد 1601
الأحد 03 مارس 2013
الهروب من الانتخابات
ستة على ستة
الأحد 03 مارس 2013

 من المعروف أن أي جماعة تسعى للانتشار وترى في نفسها أنها الأقدر على تمثيل الناس والتعبير عن مصالحهم وتدعي أنها تسعى لتلبية احتياجاتهم وتزعم أنها تسعى لنهضة البلاد وإخراجها من أزماتها وعثراتها ، أي جماعة بهذه المواصفات تكون حريصة غاية الحرص على أي “نزال” بينها وبين منافسيها أو خصومها من أجل إثبات وتأكيد جدارتها .
ولعل الانتخابات من بين أفضل المناسبات لتحقيق تفوق على المنافس وربما القضاء عليه بالضربة القاضية التي تسبب للخصم دوارًا شديدًا قد لا يفيق منه إلا بعد وقت طويل .
وقد كانت جبهة الإنقاذ أمام فرصة جيدة لخوض غمار معركة انتخابية ضد منافس تزعم هي نفسها أنه فقد شعبيته ولم تعد له تلك الأرضية التي أوصلته لقمة الهرم السياسي وجعلت أحد المنتمين إليه رئيسًا للبلاد .
ولكنها كعادتها فوتت تلك الفرصة بإعلان مقاطعتها للانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في شهر أبريل المقبل ، وهو الإعلان الذي أحدث صدمة كبيرة لدى قطاع عريض من المثقفين أو النخبة لما عقدوه من أمل كبير على تلك الجبهة برموزها “الأفذاذ” في التنظير والمعارضة “الكلامية” واعتقدوا أنه بمجرد أن تأتي الفرصة المناسبة كإجراء الانتخابات مثلا ستكون تلك الجبهة أول المشاركين فيها بغض النظر عما يقال عن ضمانات نزاهة تلك الانتخابات.
إن إعلان جبهة الإنقاذ مقاطعة الانتخابات التشريعية يمثل هروبًا كبيرًا من مواجهة المنافسين وكذلك المواطنين ، ويشير إلى أن هذه الجبهة لا يمكن أن تكون بديلاً أو أن تقدم مشروعًا وطنيًا لإنقاذ البلاد، فهي حتى الآن تكتفي بالشعارات الرنانة وترفض الانتقال لأرض الواقع .
ويؤكد ذلك عدم مشاركة الجبهة في الحوار الوطني الذي كان منعقدًا بالتزامن مع إعلان الإنقاذ مقاطعة الانتخابات، وهو ما يمثل لغزًا حقيقيًا، حيث كانت جلسة الحوار على الهواء مباشرة ما يمثل فرصة ذهبية أمام أي شخص يريد أن يدلي بدلوه أمام جموع الشعب كله وأن يفند أخطاء ويدحض ادعاءات الطرف الآخر .
قالوا إن الرئيس يحاور نفسه وأنه لا يستجيب لما يتم الاتفاق عليه في تلك الجلسات الحوارية، ولكن حتى بافتراض صحة ذلك ، فكان يكفيهم أن يسجلوا موقفهم “المعارض” وحرصهم على الوطن أمام الشعب ويقدموا رؤيتهم ويطبقوا تحليلاتهم وشعاراتهم على الهواء مباشرة ، ومن ثم إحراج الرئيس ومؤيديه أمام الناس جميعًا في حال ما لم يستجيب لهم .
ولذلك ، فإن إصرارهم  على عدم المشاركة في الحوار الوطني مهما كانت التبريرات وجميعها غير مقنع ، يؤكد أنهم لا يحملون رؤية محددة ، بل هدفهم فقط التقاط الصور كما قال بعضهم في تبريره لرفضه المشاركة في الحوار عندما قال “لن نمكن الرئيس أن يلتقط الصور معنا “
والحقيقة أنهم نجحوا بالفعل في عدم تمكين الرئيس من التقاط الصور معهم، لكنهم أفسحوا المجال واسعًا لفصيل واحد لتمكين سيطرته على البلاد من الناحيتين التشريعية والتنفيذية.
وبرأيي أن مقاطعة جبهة الإنقاذ للانتخابات التشريعية المقبلة لم يكن مفاجأة بل كان متوقعًا ويعكس جملة من الحقائق ويثير مجموعة من الشكوك، فرموز الجبهة وقادتها أعلم الناس أنهم يفتقدون أي شعبية تذكر بين جمهور الناس والبسطاء من المواطنين، فهي تخاطب الناس بلسان وتتوجه إليهم بكلام يختلف عن قناعاتها وإيمانها بأنها بعيدة عن هؤلاء الناس وخاصة بعد الهزيمة والفشل الذي لحق بها في “معركة” الاستفتاء على الدستور رغم المخاوف الكثيرة التي أثاروها والتحليلات “المنفرة” التي نشروها حول هذا الدستور، فعلموا أن لا أحد يستمع لهم أو يقتنع بهم باستثناء ما يعتبرون أنفسهم قادة ونخبة .
ومن الغرائب أن الجبهة التي أعلنت مقاطعة الانتخابات التشريعية تطالب في ذات الوقت بانتخابات رئاسية مبكرة ، وهو أمر يشير إلى أن قادة الجبهة يعملون لمصالحهم فقط ويطمحون فقط في رئاسة الجمهورية المصرية وهذا هو سبب الخلاف والشقاق الذي تشهده الجبهة بين الحين والآخر باعتراف بعض قادتها أنفسهم .
حقيقة لم أجد مكسبًا واحدًا لجبهة الإنقاذ من مقاطعتها للانتخابات إلا تجنب خسارة محققة في تلك الانتخابات وإبقاء الباب مفتوحًا أمام استمرار الكلام والخطابات لقادة الجبهة وتوجيه اعتراضاتهم وانتقاداتهم لمجريات الأحداث .
 على الجانب الآخر ، فتحت مقاطعة الجبهة المجال مفتوحًا للأطراف الأخرى لمزيد من السيطرة والهيمنة، فالبلاد ماضية في إجراء الانتخابات سواء شاركت الجبهة أم لم تشارك، وقد كان من الأجدى لأعضاء الجبهة المشاركة في الانتخابات حتى وإن فشلوا في تحقيق نجاح كبير، حيث كان يكفيهم “التمثيل المشرف” في الانتخابات لكي يوصلوا رسالة للمتعاطفين معهم بأنهم موجودون وأن المستقبل سيشهد مزيد من الوجود ، ولكن يبدو أنهم غير قادرين حتى على هذا التمثيل المشرف في الحياة السياسية المصرية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية