عيش حرية وعدالة اجتماعية، تلك هي الدوافع الرئيسية التي حركت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ووحدت بين كافة فئات الشعب المصري وخلقت نموذجا متميزا من الثورات السلمية على الانظمة القمعية الفاسدة، كما كانت هي الآمال والأهداف التي خلقت الوقود الدائم لاستمرار تلك الثورة حتى تم لها مطلبها الاول وهو اسقاط حسنى مبارك كرمز وقائد لنظام تجبر وطغى وبغى ومن ثم فتح الباب امام تحقيق هذه الآمال أى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية وقد كان لهذا السقوط المفاجئ والسريع لمبارك ومنظر هذه البوتقة المنصهرة من جميع شرائح المجتمع مثيرا للتفاؤل بمستقبل زاهر للدولة المصرية، حيث توقع معظم الخبراء والمتابعين والمراقبين في الداخل والخارج نجاحًا كبيرًا لهذه الثورة الشعبية في الوصول لأهدافها خلال فترة قصيرة.
ولكن، جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن فقد مر عامان على تلك الثورة دون ان يتحقق شيئا ملموسا من اهدافها الرئيسية اي العيش والحرية والعدالة الاجتماعية ورغم اعترافنا ان العامين هى فترة قصيرة جدا فى مثل هذه اللحظات التاريخية في عمر الدول عموما، الا ان المؤشرات على الارض توحي بأن الثورة انحرفت كثيرا عن مسارها لأسباب كثيرة وعوامل متعددة لسنا بصدد تناولها فى هذا المقال وان كانت معروفة للكثيرين ولعل ابرزها الطمع الذي مزق التوحد وفرق التجمع وشتت الائتلاف الذي ساد بداية المشهد الثوري وجعل القبطي يؤمن على دعاء المسلم والمثقف بجوار الرجل البسيط وصبر أم وأب الشهيد، لان الجميع ينشد صالح هذا الوطن الى ان دبت تلك الآفة فى قلوب وتصرفات الكثير من القوى والشخصيات التي ركبت الثورة واستثمرت ما تتسم به من تنظيم اضافة الى قناعة الشباب الطاهر النقي الذي فجر الثورة وتحمل اعباءها بما تحقق فى الايام الاولى للثورة فسلم رايتها ببراءة شديدة لهذه القوى التي دبرت للاستئثار بالمغانم - ان صح التعبير- ولهذا سمعنا عن صفقات تعقد ومساومات تدار في الغرف المغلقة والغير مغلقة، تلك هي بداية القصة التي ما زالت احداثها لم تكتمل رغم وصول أول رئيس منتخب ينتمي الى فصيل ظل خارج اللعبة الرسمية طوال العقود السابقة وكان مثار تعاطف من قبل بعض رموز وفئات الشعب المصري التي آمنت بحقه في التعبير عن نفسه في اطار القواعد والممارسات الديمقراطية، فكان لهذا الفصيل ما اراد وما قبل به الشعب من الترشح للانتخابات المختلفة محلية وبرلمانية ورئاسية بل وحقق مكاسب ضخمة جعلته متسيدا الساحة السياسية، ومتصدرا المشهد المصري فكان بالتالي محل متابعة وترقب خاصة انه من المحسوبين على تيار الثورة المؤمنين بأهدافها والعاملين على تحقيق تطلعاتها.
ولكن، خابت الظنون وانطفأت الأحلام وتبدلت المواقف وتغيرت الأحوال بسبب هذا الطمع سواء للقابعين في أماكن صنع واتخاذ القرار وكذالك لواضعي القوانين والتشريعات او الراغبين في الوصول لهذه لأماكن. وبات الجميع يلهث وراء هذه المناصب ونسوا هذا المواطن البسيط الذي تجرع عن رضا ويلات وآلام الانتقال من مرحلة يغطيها الظلم والفساد إلى مرحلة جديدة آمنة ومشرقة بالحرية والعدالة الاجتماعية، رغم وصول أول رئيس منتخب مصري إلى سدة الحكم، حيث تزايدت التطلعات والطموحات الشعبية والمطالب المجتمعية أملا في أن تبدأ الثورة في انتهاج مسارها الذي انحرف خلال الفترة الانتقالية، إلا ان الريح لم تأت بما تشتهيه السفن، فقد زاد الاحباط الشعبي في ظل كثرة الوعود والتصريحات الوردية التي لم تجد تطبيقًا على ارض الواقع، صحيح ان الظروف ليست مثالية لتحقيق الأمل بسهولة، الا ان التساؤل هنا هو ان الجميع يعرف صعوبة هذه المرحلة ومخاطرها وتحدياتها والمتربصين بها، فلماذا كل هذه الوعود والتصريحات التي تزيد من سقف التوقعات ومن ثم حدة الاحباطات، كما ان الملاحظ حتى الآن ان ما يتخذ من قرارات رئاسية وما يصدر من قوانين يصب في اتجاه دون آخر ولا يصب في الاطار الذي يأمله المواطن المصري الذي يشتاط غضبا وهو يرى تلك الحالة الفجة من الطمع وعاد ليذكر ممارسات وقوانين الحزب الوطني المنحل التي لم تأخذ هذا المواطن ومصالحه في الحسبان، بل كانت لخدمة المحسوبين على هذا الحزب وأعضائه. تلك بداية الجزء الثانى من مسار الثورة المصرية نفرد له مقالا آخر.