السياسيون والمحللون والمنظرون العقلاء يدركون تماما أن الدول المتحضرة والديمقراطية، لا تستخدم القوة النووية لتدمير وإزاحة دولة معينة من الوجود. بل ان الهدف الأساسي لهذه القوة استخدامها كسلاح ردع بالدرجة الأولى. بمعنى ان هذه الدول تستخدم السلاح النووي المدمر وبشكل أولي وأساسي للتلويح به، ولإرسال رسالة واضحة للبلد الخصم الذي يمتلك نفس القدرة والسلاح النووي. فمثلا الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كان لديهما أسلحة نووية. لكن واشنطن مثلا لم تستخدم السلاح النووي الفتاك ضد موسكو، لانها تعلم ان استخدامها لهذا السلاح المدمر، يعني تدمير الولايات المتحدة، بسبب امتلاك الاتحاد السوفييتي لهذا السلاح، وإمكانية استخدامه ضد واشنطن اذا ما استخدمت الأخيرة هذا السلاح. وعليه فإن السلاح والقدرات النووية هي في الحقيقة أسلحة ردع في المقام الأول.
ولكن مع الأسف فان هناك دولا لا تستخدم السلاح النووي كعامل ردع بل لفرض هيمنتها وسيطرتها على جيرانها. ومثال ذلك إسرائيل وتهديدها للدول العربية المجاورة. فسلاح إسرائيل ليس لردع القدرات النووية للدول العربية، التي لا تستطيع حماية نفسها، والتي تخاف حتى من محاولة انقلاب ضد نظامها الحاكم، بل إن هذا السلاح الإسرائيلي هو لتهديد وابتزاز وسيطرة الدولة العبرية على المنطقة العربية.
والأمر الإسرائيلي هو نفسه الأمر الإيراني، وسعي طهران الدؤوب لامتلاك السلاح النووي لتهديد جيرانها. والسلاح النووي الايراني، ليس كما يقول بعض الدبلوماسيين انه سلاح اسلامي، أو انه سلاح ردع ضد الولايات المتحدة، او كما يروج له البعض بأنه لمصلحة جميع دول الخليج. بل ان الحقيقة هي ان هذا السلاح النووي الإيراني، ليس موجها ضد الولايات المتحدة، التي ستمسح ايران من الخريطة، قبل ان تفكر طهران باستخدام سلاحها، بل إنه موجه وبالدرجة الأولى ضد حكومات دول الخليج، التي ليس لديها أسلحة نووية تردع طهران.
انه من الضروري التأكيد على انه وقبل ان تكون القدرات النووية الإيرانية سلاحا لكل المسلمين، فانه يجب على طهران إعادة الجزر الإماراتية لأهلها العرب، وإعطاء الاحوازيين كافة السبل للحفاظ على هويتهم العربية، والكف عن التدخل في الشؤون العراقية واللبنانية واليمنية والبحرينية والسعودية، والسماح للمواطنين الإيرانيين السنة بحرية أكبر ومعاملتهم كمواطنين بشكل عادل مع أبناء جلدتهم الشيعة، حتى نقتنع بأن إيران دولة جارة لا تسعى للسيطرة وتهديد دول الخليج.
ويجب إعادة التأكيد مرارا ومرارا، بأن دول الخليج لم تنعم منذ السبعينات باستقرار عسكري واقتصادي بسبب ضعفها وعدم امتلاكها للسلاح النووي الذي يردع الآخرين المساس بأمن واستقرار شعبها. فبداية تم احتلال الجزر الإماراتية وسكتنا. ثم بعد ذلك تمت المطالبة بدولة البحرين وسكتنا. ثم استعرض الشاه عضلاته أمامنا وسكتنا. بعدها أعلنت طهران ان الوقت حان لتصدير ثورتها الطائفية، وبدأ عملاؤها بإحداث القلاقل وسكتنا. ثم بدأت عمليات خطف الطائرات وتفجيرات المقاهي وتفجير الخبر وإحراق مدن في البحرين وسكتنا. ثم قام صدام بغزو الكويت مسببا كارثة سياسية وعسكرية وبيئية واقتصادية وسكتنا. ثم توالت تداعيات ما بعد الغزو وسكتنا. بعدها جاء التدخل الإيراني بالعراق ولبنان وسوريا وسكتنا. ثم خططت إيران للانقلاب بالبحرين وسكتنا. ثم تم الحكم على خلية التجسس الإيرانية ضد الكويت وسكتنا، فهل هناك دول في العالم سكتت وصبرت وكتمت غضبها مثل دول الخليج؟
الخلاصة أن العدل والإنصاف والمسؤولية التاريخية والأخلاقية، تحتم علينا المطالبة بامتلاك كل ما من شأنه حماية أمننا وأمن شعبنا الخليجي واستقرار حكومات دول الخليج، وذلك لن يكون إلا بسعي أنظمة الخليج لامتلاك السلاح النووي، مهما كلفنا ذلك الأمر من تضحيات. فليس من المقبول أن يقوم جيراننا بالسعي لامتلاك السلاح النووي، ونحن نعمل فقط على توقيع اتفاقات دفاعية، من دون أن تعطينا هذه الاتفاقيات الحق في التلويح بالسلاح النووي. نحن لسنا رعاة لنا أحلامنا. نحن شعب ودول متحضرة سنستخدم سلاحنا النووي للردع وليس للتهديد.