كيف تكون لكلام واحد، له المفردات نفسها، والصيغ نفسها، والمداليل نفسها، معانٍ مختلفة؟ هذا ونحن لا نتحدث في فنون القول وحياطة البلاغات اللفظية، وإنما الكلام يتجه إلى ما هو واضح، إنها الكلمات ذاتها، والشعارات عينها، ولكنها مرة تصبح حقاً يراد به الإصلاح، ومرة حقاً يراد به باطل، أو ستاراً يستتر وراءه أناس سيئو السمعة، ومنحرفو الأهداف.
لن أعود إلى الربع الأول من العام 2011، وما وقع فيه، ولا إلى ما آلت إليه الأمور، فإن التراكم الذي تخزّن كان كفيلا بأن يطلق العنان للبعض للمزيد من الإفصاح عمّا كان يجيش في الصدور. وهي عملية ذات اتجاهات ارتدادية، بمعنى أنها كانت أحياناً تُطلق، وأحيانا يجري تلقيها، والحالة برمّتها هي التي سادت في سنوات ممتدة، عندما أعاد أناس كثر اكتشاف الدين الإسلامي مجدداً، فتخندقوا في الضيق، مختارين عدم الانفتاح على الآخرين، وعدم التسامح معهم. ومنذ ذلك الحين، ونحن نسمع ونشهد الأقاصيص التي تتبعثر هنا وهناك في فلتات الألسنة، أو من بين السطور، التي تشي بحالة من عدم الثقة، إما فعلية هذه الحالة، وإما متوهّمة، وكلها في النهاية تصبّ في الوضع المحلي، ويصبح كل فريق وكأنه مسؤول عما يجري من قبل فئته، حتى وإن لم تكن له يد في الحوادث التي تقع، حتى تأسس فكر الثقة المنقوصة، أو المنتزعة أحياناً في بعضنا البعض وذلك بحسب سوابق كثيرة تسابقت الأطراف في تأصيلها وتعميقها.
اليوم عندما يتحدث أي شخص ينتمي لفصيل “سيامذهبي” عن الوطن، ترى نظيره في الطرف الآخر يشكك في تفسير معاني الوطنية التي يعرفها نظيره، وما الذي يرمي إليه، ويلصقه ببعض من الكلاشيهات الجاهزة التي اعتدنا على سماعها، ولو أقسم الطرف الأول بالأيمان المغلظة أنه لا يعني إلا ما يقول، وأن ليس له من المرامي ما يجاوز الكلام. وتجري العبارات نفسها على لسان المنتقِد فيجد قبولاً لها بين أصحابه، ونفوراً منها لدى أضداده، ومن السهل جداً أن يقال له، كما يقال شعبياً: “إلعب غيرها...”.
وليس غياب الثقة السياسية أمر جديد، فنحن نتاج هذه الأمة العربية أيضاً والإسلامية، وتجد عملية المراوحة مكانها لعقود طويلة فيها، وضياع الطاقات والجهود، ليس إلا بعضاً من نتاج انعدام الثقة السياسية، الأمر الذي لا يجعلها تتعاون، فتظل متوجسة خائفة وغير واثقة في من يشبهها، وتضع كل ثقتها في الأبعدين من المنظومات والدول والتكتلات، وتفشل هي في خلق كيانات صلبة وقادرة على البقاء والتجدد والنمو ومواجهة الطوفان العالمي الذي يهدد كيان الأمة. الأنكى من هذا أن الجميع يعلم عواقب الفرقة والانعزال، والقصة التراثية للرجل الراقد على فراش الموت والأبناء والعصيّ المجتمعة والمنفردة.
وعلى الصعيد المجتمعي، تجد أن كلاماً من قبيل أن الفرقة والتشرذم وشق الصف، وغيرها من التعبيرات، يتناقلها الجميع في إطار أنها من عمل الأجنبي الحاقد، وأنها مؤامرة على الأمة، ولكن سرعان ما ينكشف أنه كلام لم يمرّ على القلب والوجدان قبل أن يخرج من الفم واللسان، ليتناقض مع أول اختبار يتعرض له الفرد أو الجماعة، ويبدأ كل طرف في لوم الطرف الآخر، وإذا كان المتحدث حصيفاً وحريصاً على السلم الأهلي؛ بادر إلى إلقاء الأمر برمّته على مشاجب التدخل الخارجي، ولكن من دون ما مشروع حقيقي يوحد المجتمع ويجعله جسماً عصيّاً على الاختراق والتفتيت.
لقد آل تآكل الثقة بين أطراف المجتمعات العربية بعضها البعض، إلى نوع من اليأس الذي يستحيل في أحيان إلى نزعات عنيفة يعبّر من خلالها البعض عن وصوله إلى القاع، أو ينزوي المجتمع بأسره بلا روح ولا طموح ولا رؤية ولا قدرة على استشراف المستقبل بتفاؤل، ما يجعل دوران محركات المجتمعات في تباطؤ مستمر، يلقي أفراده أسباب فشلهم وتردّي أوضاعهم على كل العوامل ما عدا ذواتهم، يدمنون الشكوى، يتداولون القتامة في الرؤى، يتهادون عتمة ما ستؤول إليه الأمور، ولكن من دون البحث عن مخارج لأزمتهم التي واحدة من أساساتها فقدانهم الثقة في كل شيء، بل وفي أنفسهم في الأساس.
زرع الثقة بين الأطراف المجتمعية بعضها البعض، تعد من عمليات البناء الطويلة والمضنية، وفي الوقت نفسه سهلة التهاوي عند أي منعطف يتراجع فيه أي طرف عن التزاماتها، بما يجعل سقف الثقة يخرّ على الجميع من فوقهم، لذا فإنه يحتاج إلى نوعية من الناس الذين يتجاوزون الصغائر، ويردّون الأمور إلى أنصبتها الصحيحة، ويثبتون في الملمات، ويعملون على إذابة الخصوصيات الرامية إلى الاستحواذ الذاتي الذي يقابله الانتقاص من الآخرين حتى يمكن أن تنسجم الفوارق في بحر واحد اسمه الوطن.