عندما يقول لي البعض إنه قرأ مقالاً لي في “البلاد”، أردّ عليه ممازحاً: “إذا، صار عدد قرّائي خمسة!”، والقراء الخمسة الذين أعتزّ بهم جداً كانوا قد ركزوا في تداولهم “التويتري” على التغريدة المأخوذة من مقالي السابق ونصّها “قرون طويلة لم يستطع أي من المذاهب أن يسدد الضربة القاضية إلى الآخر، ولن يكون لأحد هذا الأمر مهما استطال الزمان، فلماذا كل هذا الضجيج؟!”.
ومن الواضح جداً، أن واحدة من هذه المقولات، وما يمكن أن يدور في فلكها سوف لن يتوقف في القريب العاجل، إذ إننا لا نتحدث عن مشكلة يراد لها حل، ولا مرض يُرجى له شفاء، فلقد صدق المتنبي إذ قال: “لكل داءٍ دواءٌ يُستطبُّ به... إلا الحماقة أعيت من يداويها”. ومن هذا الباب، نرى اليوم حماقات لا حدّ لها، حماقات تحاول أن تشتري عواطف الدهماء بنوع من التحريض الخفي على بعضنا البعض، ولما استوفى الخفاء مظاهره، وأتمّ دوره، وتشبّعت سوقه؛ كان لابد من الجهر به، والتصريح علناً بخطابات البغض والكراهية والشحناء، في سياقات أقل ما يقال عنها إنها أخذت عفن القول من قاعه، فصار البعض لا يستحي أن يقف جهاراً نهاراً ليشكك في أصول الناس وأعراضهم وأعراقهم ومنابتهم. ولم يعد الدهماء والجموع فقط من يتأثر بهذه المقولات ويتفاعل معها، بل صار من زمرتهم أناس يحسبهم الغافل من أهل العقول الراجحة، والنفوس المجنّحة، حتى يراهم يخوضون في ما يخوض فيه البسطاء تعليماً وفهماً وعلماً، وعندها يتأكد أن العلم إن لم يغادر الكتب ويسكن في حركات المرء وسكناته فلا خير فيه ولا في حامله.
ومع أن الكثير من العقلاء يرون أنه من المعيب جداً أن نتفاخر بالسلالات وكأننا نتحدث عن خيول، ونحن في القرن الحادي والعشرين، كل ما يحيط بنا من علم وتكنولوجيا ومظاهر لم يحلم بها أحد قبل 30 عاماً لم يؤثر في نفوسنا التي ظلت همجيّة إلى يومنا هذا، ومع ذلك فالجميع يعلم أننا لم نتخلص من هذا التفاخر إلا في فترات قليلة من زماننا، وعاد ليضرب بقوة في النفوس من جديد، وهذا لا يحدث إلا إذا خوت النفوس، وفرغت العقول، ولم يعد لها من شغل شاغل إلا رسم أشجار العائلات بغية الوصول بها إلى كريم المحتد، حتى وإن راوغت ودلّست هنا وهناك حتى تتوصل إلى ما تتوسل به لتقول إنها تنتمي إلى “البطون” الفلانية، و”الأفخاذ” العلانية، من غير أن ترتفع بنظرها، وترتقي بخطابها، وتفاخر بأنها موصولة إلى “العقول” العلمانية (أقسم أنني أقصد العلم وليس شيئاً آخر)، وهم (أصحاب هذه الخطابات) من بعد ذلك يقولون إنهم يقصدون الوحدة الوطنية، وإظهار الحقائق ليس إلا، حتى وإن كانت هذه الحقائق بها من العور ما بها، ومن التكلف في الاستدلال ما ليس بخاف، ومن التقوّل الشيء الكثير!
وغنيٌّ عن القول، إن هذا النوع من الخطابات، الذي ظهر وبطر، وشاع وانتشر، يجد له من التشجيع ما يجد، وهو تشجيع يتم في بعض معانيه بالسكوت عنه، وكأنه لم يكن، وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء. وقبل اللجوء إلى القضاء ليفصل بين المتخاصمين، سيجد من المتضررين من يردّ عليه، حتى وإن كان من ذوي الشهادات العليا، وأصحاب النُّهى، والخبرات الطويلة. وكما لا يمكن تبرير الفعل، لا يمكن تبرير ردّ الفعل، لأن الاثنين سواء، ومن لا يلجمه عقله أو أدبه أو منطقه أو تربيته أو وطنيته أو إنسانيته عن قول كل ما يخطر بباله؛ فإن راد الفعل إن لم يتحلّ بكل ما ورد فهو والفاعل سواء، فيتشاكى الناس، والجميع متضرر، وينشغلون بأنفسهم، طول الوقت في حركة لاهثة وكأنهم معصوبو الأعين يمسكون في أيديهم مسدسات فارغة ويبحثون عن رصاصة واحدة ملقاة على الأرض لإسكانها في دماغ من يعتقدون أنه عدوهم الأول، والأوحد، وأنه بزواله يعم الأرض الخير، وتمتلئ عدلاً، وتستعيد السماوات من بعد ذلك زرقتها، والأرض زينتها، ويعمّ السلام. وحريٌّ القول إن الفقرة (أ) من المادة (69) الواقعة تحت الفصل السادس من مرسوم بقانون رقم (47) لسنة 2002، بشأن تنظيم الصحافة والطباعة والنشر، وعنوانه “المسؤولية الجنائية الجرائم التي تقع بواسطة النشر في الصحف”، تنصّ على “ومع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر، يعاقب بغرامة لا تزيد على ألفي دينار على نشر ما من شأنه: التحريض على بغض طائفة أو طوائف من الناس، أو على الازدراء بها، أو التحريض الذي يؤدي إلى تكدير الأمن العام أو بث روح الشقاق في المجتمع والمساس بالوحدة الوطنية”. فأي مساس أكبر من هذا؟ وأي ازدراء بقي لم يمارس؟ وأي تحريض لم يتمّ ويتأصل؟ وأي “تكدير” يُنتظر أن يحدث؟ وأيُّ بثٍّ للشقاق تحدثه هذه الخطابات التي لا يردعها أحد ولا يقول: بسْ؟ وأية وحدة لم تُمس، وتُمَصُّ دماؤها حتى غدت في هزال شديد، فحال لونها، ورقّت عظامها؟!
لقد عانت البلاد وأهلها منذ عقد ونصف العقد من هذا النوع من الانفلات اللامسؤول، وعانت أكثر من إلقاء اللائمة على “الديمقراطية” بأنها هي التي أدت إلى هذه النتيجة، ويتحسر البعض بقولهم: “سقى الله أيام قانون أمن الدولة حيث لا أحد يجرؤ على الكلام”، وكأن من الخير إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فإن كانت شكاوانا من قانون الصحافة الحالي أنه قد ينتقص من حرية التعبير، فإن له وجهاً حسناً إن أُحسن تطبيقه، وهو الأخذ على أيدي أهل الشق والشقاق، وهو المعمول به في أعرق الديمقراطيات.
أليس كذلك أيها القراء... الخمسة؟!.