منذ الانتخابات الأولى، والهمسات تزداد ارتفاعاً، وتتحول إلى ما يشبه الحقائق غير المعلنة، أو المسكوت عنها، والتي لا ينقصها إلا الإثبات، وهي تلك التي تتحدث عن شراء الذمم أثناء فترة الانتخابات، التي يطلق عليها الكثير من التسميات، سواء كانت تصيب كبد الحقيقة أم لا، ولكنها تنتهي إلى الأمر نفسه.
فمنذ التجربة الحديثة الأولى، في العام 2002، اتهم البعض جمعيات بعينها أنها تشتري ذمم الناخبين عن طريق الإغداق عليهم بالمأكلة (الماجلة). وهناك من قال إن مترشحين بعينهم استخدموا السائل من المال مباشرة عندما اشتدت حمّى الانتخابات واقترب موعد التصويت، وقيل إن هناك من دفع مالاً وطالب الآخذين بالقسم المغلظ على المصحف الشريف بأن يذهب الصوت لدافع المال (الحرام)، فيبني باطلاً على باطل باستخدام الدين والقسم، وقيل في ما قيل إن أناساً مهّدوا لحملاتهم بالمكيفات والثلاجات وأدوات كهربية وإلكترونية والتودد لأهالي مناطقهم قبل أشهر، وما إن أتى الموعد المحدد حتى كشفوا عن نواياهم في الترشح، وراحوا يذكّرون الناس بما صنعوا لهم، وأن هذا ليس إلا غيضا من فيض مما يمكن أن يعملوه لهم في ما لو أنهم وصلوا إلى سدّة الكرسي الوثير. وقيل ما قيل عن أناس ينتمون إلى أسرٍ تجارية، قامت باستخدام النفوذ ذاته بين أهالي دوائرهم، ففتحوا لهم المخازن، وأغرقوا واستغرقوا في هذه اللعبة التي ليس أساسها إلا الوجاهة من جهة، وإثبات قوة حضور هذه الأسر في المشهد العام، وقدرتها على “دحر” المناوئين والخصوم والمنافسين، وإزاحتهم عن الساحة لتخلو للناخبين وجوههم وحدهم. والأهالي “القابضون” في كل ما تقدم، إما أن يكونوا قد ارتبطوا أخلاقياً بمن أعطى، أو دينياً بالقسم الذي أدّوه، وإن كان أساسه محرَّما، أو خُيّل لهم أن ما وصلهم لم يكن إلا غيثا.. ثم ينهمرُ الخير على الجميع.
كل هذه الأقاويل تسري في الانتخابات، وبعدها بأيام إذ لا تزال “الأكف” و”الصفعات” – كما يحسبها البعض – ساخنة مدوية، خصوصاً على جلود الذين خسروا هذه المسابقة الوطنية، ومنهم أساساً تأتي هذه الأقاصيص التي تروج قبيل التصويت وبعده، فإن فاز المدّعي فإنه سيقول إنه على الرغم من كل المغريات التي مارسها خصومه، إلا أن “وعي” الناخب قد تغلب عليها. ويغيب هذا الوعي في حال خسارته، إذ سيروّج أنه لم يكن ليخسر لولا هذا المال الذي فُتحت خزائنه على البسطاء والمساكين والمحتاجين لاستمالتهم، وفي الحالتين، فإن موضوع البيع والشراء بالنسبة للأصوات، أي للذمم الوطنية – لو شئنا قولها هكذا بكل صراحة ووضوح – يُعد من المواضيع الرائجة جداً، فهي تأتي في الغالب بعد النبش في تاريخ وتفاصيل وعروق سيرة المترشح، فإن لم يكن عليه ما يمكن الجعجعة به، يجري العمل على تسقيطه من جانب آخر.
وبينما نحن نستعد للانتخابات، وتستعد المزاعم السنوية للانطلاق، أوسع هذه المرة من المرات الماضية، إذ الاستعمالات المكثفة لوسائل التواصل الاجتماعي، وتوافر قنوات أكبر لها اليوم من ذي قبل، والانتشار غير المسبوق للهواتف الذكية بين أيدي الغلمان؛ يفاجئنا خبر استقالة وزيرتين يابانيتين خلال أسبوع واحد، لأسباب مقاربة من هذا الذي نتحدث عنه، الأولى وزيرة التجارة والصناعة يوكو أوبوتشي عندما لم تستطع منظمتان سياسيتان تدعمانها من تفسير وجود 246 ألف دولار لديها، ولم تكشفا عن مصدر هذا المال، وهو ما يساوي حوالي 93 ألف دينار بحريني... لنا أن نتصور!
وإذا تصورنا حجم هذا المبلغ “التافه” في بلد كاليابان ناتجه المحلي الإجمالي يصل إلى خمسة تريليونات دولار (بملاحظة أن دول التعاون مجتمعة، بنفطها الذي تتباهى به، والذي يحسدنا العالم عليه يصل ناتجها المحلي الإجمالي 1.6 تريليون دولار سنوياً!)، ويصل نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي فيه إلى 17 ألفاً و395 ديناراً سنوياً، بينما (للمقارنة فقط) يصل نصيب نظيره البحريني إلى 7374 ديناراً في السنة، يجري فيه السؤال عن هذا المبلغ، وعلى إثره تستقيل الوزيرة المذكورة ليس لأنها فاسدة، بل لأن من مسانديها من لم يستطع الكشف عن مصدر هذا المبلغ.
أما الوزيرة اليابانية الأخرى التي استقالت في الفترة ذاتها، فهي وزيرة العدل ميدوري ماتسوشيما، وسبب استقالتها أتفه من سبب استقالة زميلتها، وهو أنها قدّمت لأنصارها “هدايا غير قانونية”، وقبل أن أنتقل بالقراءة إلى الفقرة التالية لأعرف كنه هذه الهدايا المخالفة، خامرتني التخيلات لجزء من الثانية بأنها ستكون عبارة عن “سلة من المنتجات الإلكترونية”، أو سيارات يابانية، إذ اليابانيون يعتزون أيّما اعتزاز بصناعتهم الوطنية، أو حزمة من تذاكر السفر، أو بطاقات عشاء فاخر لشخصين على أقل تقدير، فإذا بالهدايا غير القانونية هي “مراوح ورقية” للناخبين في مقاطعتها!
إنهما ليستا عضوتي مجلس تشريعي ربما تمرّ السنون وتمضي السنون وهما لم تنبسا ببنت شفة، كما هو الحال لبعض من نعرف من الغرفتين، ولكنهما وزيرتان في اثنتين من أدق الوزارات التي تقوم عليهما اليابان، وأكثر البلدان، العدل، وهو أساس الأمن والاستقرار في أي مكان، وعليه لابد من تطبيق القوانين على من يقوم بتنفيذ القوانين أساساً ليكون مثلاً وعبرة لغيره. والصناعة والتجارة، وهما عصب الحياة وأساس التنافس العالمي. وعلى الرغم من أنهما لم تصلا إلى المنصبين لأيٍّ من الأسباب سوى الكفاءة، إلا أن نثارة أوساخ قليلة على ملفهما الشخصي شكك في نزاهتهما، فاضطرتا إلى ترك منصبيهما الرفيعين.
ما أود أن أنتهي إليه هو أن ما قيل، ويقال، وما سيقال عن كل ما يحيط بنزاهة وصول “بعض” المترشحين ليكونوا مشرّعين ومراقبين، لابد أن يجري التحقق منه، وبالجدية الكافية، وتسهم في ذلك الجهات الرقابية التي عليها ألا تكتفي بمراقبة أوراق الصناديق، وإنما ما وراء هذه العملية وما قبلها، وبوقت كاف، حتى يُقطع دابر الإشاعات، ويطمئن الناس أن من سيحفظ المال العام، كان قد حفظ المال الخاص أولاً.