عندما انتشرت لافتات حملة “نسمو” للنظافة التي أطلقتها وزارة شؤون البلديات والتخطيط العمراني، كان هذا يعني أنه قد طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى وما عاد هناك مجال للسكوت، فلابد أن تقام حملة نظافة عامة لأن الناس، وللأسف الأكثر من شديد، باتوا قليلي النظافة، وأكثرهم صار معدوم الإحساس بالذوق العام، إذ غلبت على الكثرة الكثيرة من الناس مسألة فتح النوافذ وإلقاء ما تيسر لهم من قمامة، بدءاً بالمناديل الورقية وليس انتهاء بأكياس منتفخة ببقايا وجبات سريعة بكل مكوناتها.
هذه “الميزة النسبية” للبحرينيين الجدد، وأعني جيل الشباب، ومن فارق الشباب أحياناً، ومن يتعلمون منهم، ويقتدون بهم، وبهم يتأثرون من الصغار، صارت هي الغالبة في كل مكان تلتفت إليه، وإذا واجهت أحدهم بنظرة اشمئزاز وتأفف وهو يرمي بكل عفوية وحركة طبيعية كيساً أو أكثر من كيس في عرض الشارع بينما سلة القمامة، أو الحاوية لا تبتعد عن مكان سيارته إلا بضعة أمتار، والمصيبة أن يكون معه أطفاله، وكأنه يقدم لهم درساً عملياً في أن يصبح مواطناً سيئاً؛ بادر بالنظر إليك بنظرة دفاعية شرسة بمعنى “ماذا تريد؟”، وحتى لا تشتبك مع العالم، وينتهي بك المطاف إلى ما لا تحمد عقباه عليك أن تغادر سريعاً المكان على اعتبار أنك أديت دورك الوطني بتلك النظرة وحسب.
مسألة السمو، وهي الارتقاء، ينبغي أن تكون حملة بحرينية شاملة كاملة، لا تدع مجالاً إلا ودخلته، لأن السمو ليس بالنظافة وحسب، ولكنه معنى للكثير من المعاني التي افتقدناها في السنوات الأخيرة، لا أدري حقيقة متى بتنا أقل حساسية تجاه الأمور السيئة، وبتنا نشرعنها باعتبار أن الجميع يفعل ذلك، ولأننا ضمن الجميع، والقائمون على تنفيذ القوانين هم منّا وفينا، فلم يعد مستغرباً أي تصرف يجري في الشارع العام من قبل أي فرد من الأفراد، فترى المكلفين بإنفاذه أحياناً يمرّون به وكأن شيئاً لم يكن، وهذا في أحسن الظروف إن لم يشاركوا فيه وكأنه جزء من منظومة الحياة اليومية، حتى يضطر القانون لأن ينحني لأن الناس قد خلقوا قانونهم الخاص الذي تجاوز القوانين المكتوبة والمتعارف عليها عالمياً أيضاً.
فواحدة من أهم المظاهر التي نريد أن نسمو بها هي أخلاقيات المرور التي باتت في تدهور مستمر على كل الصعد، هذه الاختناقات التي يسببها السواق في عرض الشارع لأن اثنين قررا إيقاف سيارتيهما للسلام على بعضهما والسؤال عن الأحوال. الوقوف كيفما اتفق عند محلات الصرعة الجديدة “شاي كرك”، وعندما تشير للسائق أنه أغلق الطريق يشير لك بحركة عصبية أن ادخل المسار المقابل وتصرّف بدلاً من هذه المثالية، لأن مزاجه الآن في الكرك فلا تعكر هذا المزاج، وهذا أمر تتناقص أهميته أمام السماح والتسامح بالمرور الذي غدا تحدياً يومياً يفرضه سائقون يرسمون على ملامحهم علامات الضيق والتنمّر، فإمّا أن يمر هو أو يغلق الطريق إلى أن تصلي على النبي وتتراجع أو تقوم ببعض الحركات الأكروباتية لأن أصوات الأبواق قد ارتفعت وملأت الجو وليس غريباً عنا ذاك الذي صور سيدة ادّعى أنها تسد الطريق، ووصفها بالألفاظ السيئة وعمم صورتها ولوحة سيارتها على الملأ، فكان خزياً على الأخلاق البحرينية أن تتدنى إلى هذا الحد من قبل الطرفين.
قيل ما قيل في الشأن المروري المتراجع والمتدهور كصخرٍ حطّه السيل من علِ. وأسخف ما يراد تسويقه هو أن الناس كانوا أكثر انضباطاً أيام القوانين القديمة الحازمة، وكأن هذه القوانين تعني الضرب بيد من حديد، فلماذا إذا يحترم الناس القوانين في دول متقدمة، كنا من ضمنها يوماً ما في بعض المجالات، وليس يعرف تاريخها قوانين أمن ولا غيرها، إن المسألة أعمق وأعقد من هذا الطرح المبسط.
نسمو؟ نعم نسمو بالأعمال التي لا يحتاج الكثير القول والتدبيج فيها وهي التي تقوم على تقديس العطلات، والبحث عن أية ثغرة للحصول على إجازة، والتحايل على القوانين بالأعذار الواهية التي يعرف الجميع أنها واهية جداً، ولكن لعلم الجميع ان البحريني لا يفصل من عمله لأنه كثير الغياب، أو لأنه ضعيف الإنتاجية، أو لأنه أحياناً معدوم الإنتاجية، وإذا حدث وأن اتخذ قرار بفصله أو تجميد ترقيته، فإنه سيركض إلى أعضاء المجالس النيابية، أو إلى أبواق الإعلام للشكاوى والتظلم، حتى يعمد صاحب القرار إلى تسوية الأمر حتى ينتهي هذا الصداع وهو لا يعلم أنه بات تحت رحمة الموظف الذي علم مواقع ألم صاحب القرار. والمصيبة أنه قد يلجأ هذا أو ذاك إلى الدوائر العليا التي ربما يحصل منها على توصية، ومع كثرة التوصيات يعلو نجم الممارسات السيئة، والخدمات البليدة، والإهمال، والتسويف، وثقافة السمبوسة في دوائر الأعمال الحكومية أساساً، والأمراض التي لا تأتي إلا بين العطلات لإكمال أسبوع من الإجازة، فيفتح القائمون على تنفيذ القوانين الأبواب على مصاريعها، لأنهم كانوا يطاردون قلة غير مسؤولة، فصاروا أمام كثرة متفلتة ومحميّة أحياناً يودون لو يبقوا في بيوتهم وتأتيهم معاشاتهم، مع العلاوات والمكافآت والبدلات، والمنّة على الدولة لأنه مواطن! منذ متى تسلل إلينا هذا الانحطاط الإنتاجي الذي يحتاج أن نسمو به؟
إننا هنا لا نمارس “التحلطم” البحريني المعتاد، ولا نريد أن نطلق شحنات من الضيق وكفى، إننا أمام مسألة مجتمعية بالغة الأهمية والتعقيد لابد من دراستها بجدية حقيقية تأخذ في اعتبارها هذه التغيرات التي طرأت علينا، وأسبابها، وما الذي يمكن فعله لحلها، حلول علمية علّها تجد من ينصت ويتفهم خطورة الانحدار الذي بلغناه. فلقد كنا نقول سمعة المواطن البحريني ترنّ كالذهب أينما ذهب... ولكنها عمّا قريب ستذهب مع الريح!.