الآن وقد اتضحت المواقف المؤجلة من انتخابات 2014 النيابية، والتي لم تكن مفاجأة لأي متابع للشأن المحلي البحريني، فإن مرحلة جديدة قد بدأت بالفعل، وهي مرحلة مختلفة إلى حدٍّ بعيد عن ما سبقها من مراحل، خصوصاً في السنوات الأربع التي فصلت انتخابات 2010 عن انتخابات هذا العام.
فلقد كانت انتخابات 2010 قد جرت في أجواء مختلفة إلى حد بعيد جداً عن هذه الانتخابات. صحيح أن سبتمبر من ذلك العام شهد توتراً أمنياً ولكن لم تكن هناك تحركات سياسية.
كما جرت انتخابات 2010 في أواخر العام نفسه، كما هو الشأن في الدورات الانتخابية السابقة، ولم يكن أحد يتوقع – ولو من باب ضرب الودع – أن تهبّ المنطقة العربية بأسرها، ومن دون غيرها من المناطق أيضاً في “ربيع عربي”، يختلف المحللون والمختصون والناس أجمعون إلى اليوم، عمّا إذا كانت ثمار هذا الربيع سائغة ولذيذة، أم أنها شبيهة بالتغيرات المناخية التي أتت معها بالمرّ والحصرم والحنظل والعلقم في وقت ننتظر فيه أطيب الثمر، هل نحن جديرون بهذه التحولات أم لا؟ هل تعامل العرب مع فرصهم التاريخية بحكمة أم أهدروها؟ هل تحقق للذين خرجوا من تلقاء أنفسهم، وفتحوا صدورهم للمواجهات، هل تحقق لهم ما أرادوا؟ هل كانت صنائع خارجية، أم مراجل كانت تغلي محلياً، أم الاثنان معاً؟ وكل هذا انعكس على البحرين في حراكها الذي قيل الكثير عنه ولا داعي للشرح فيه أكثر، والذي أعاد، أو أكد فرز المجتمع بشكل لم يخجل منه الكثير من الناس كما كانوا يفعلون في الماضي، فما عادت الشعارات تعني أو تغني، وما عاد الكلام المنمّق هو ما يسود في الساحات العامة، أو المساحات الإلكترونية الخاصة.
خبرت البحرين مقاطعة الانتخابات في دورتها الأولى (2002) من قبل “المعارضة”... فجاء مجلسٌ. وخبرت المشاركة الكاملة في 2006... وجاء مجلسٌ. وشهدت مشاركة قصيرة نهايات 2010 حتى الربع الأول من 2011، وجرى انسحاب أكثر من ثلثي أعضاء مجلس النواب، ولأول مرة تجري انتخابات تكميلية، وجاء مجلسٌ أيضاً. وعلى الرغم من أن كل تجربة تحمل سماتها الخاصة، وكل دورة لها من القصص ما يمكن أن يشكل جوانب مضيئة، وأخرى باهتة، إلا أنها كانت تجارب تستحق أن تبقى في نطاق سياق العملية الديمقراطية، مهما قيل عنها، ومهما نعتت، ومهما اعتورها القصور، فإنها لا تزال تبحث عن طرقها الأفضل، وهي عملية لا تتوقف في هذه الجزئية (المجلس النيابي)، فهي أوسع وأعمّ. وسيحتاج الأمر إلى محللين لمعرفة أي الأدوار كانت أقوى من هذه التجارب، وأيها كانت أقل عطاء وتأثيراً، وما الذي تم الأخذ به من القضايا الأساسية، وما الذي كان على سبيل الترضية، ومتى اجتمع النواب، أو أكثرهم على معضلة لحلها، ومتى تفردوا وتفرقوا، ومتى كان النائب يخدم الأمة، ومتى كان همّه وعينه على أهل دائرته وحسب ترقباً للانتخابات المقبلة... وهنا يتبين ما الذي يمكن تحقيقه في هذه الانتخابات حتى لا نعلي كثيراً من سقوف التوقعات، ونرسم أحلاماً ولا نخفض من تقديرنا لهذا المجلس.
إن إعلان خمس جمعيات عن مقاطعة الانتخابات استدرج ردود أفعال متباينة، ويرى في بعضها كثيراً مما كان يجري التنبيه إليه سابقاً.
فأولى هذه الإشارات ما صدر عن مؤيدي الجمعيات المقاطعة، بالقول “الشعب يقاطع الانتخابات”، فالمقاطعون جزء من الشعب، ولا يمكن التكهن بحجم هذا الجزء الآن، ولا يمكن إجمال الشعب بالمقاطعين، لأن هناك من “الشعب” نفسه من يود المشاركة، وبالتالي، فإن مفردة الشعب تذكرنا بهتافات “الربيع العربي”، كتخويل اقتطفه المتحدثون أو الفاعلون ولم يُعطوا إياه، كما لم يخوّلهم أحد بالحديث باسم الشعب وإن كثرت أعدادهم. ولكن لا يمكن إسقاط حراك عفوي على بيانات يُتوقع أن تكون أكثر حذراً في انتقاء مفرداتها في أوضاع بالغة الدقة، وفي وسط لا يزال مفهوم الديمقراطية عنده ملتبسا جداً. وفي المقابل، فقد ووجه قرار الجمعيات المقاطعة، وبالأخص جمعية “الوفاق”، بسيل من الانتقادات والتشكيكات وربط ذلك بقرارات تتخذ نيابة عنها. شخصياً، لم أجد مبرراً لهذه الهجمة، إذ إنه من الأفضل، وبحسب التشكيكات، ألا يكون في المجلس من يتلقى قراراته من الخارج، بدل أن يتجاور في كرسيه من يملكون قرارهم كاملاً ومستقلاً، وحتى لا يشاغب عليهم!
وفي الصدد نفسه، بدأت همهمات، بل وأكثر من ذلك، في توصيف من سيشارك ومن سيقاطع: العمالة والخيانة، هما – وما لفّ لفهما – من أكثر المفردات التي جرى تداولها بعد سويعات قليلة من بعد ظهر أمس، وكأننا لم نتحرك قيد أنملة عن أوقات شدتنا الوطنية في 2011 عندما كانت الألقاب والوصوف تتوزع مجاناً، وكلٌّ يقذف الآخر بما تجود به مخازن ألفاظه السيئة.
سيكون مجلس في 2014، سيولد، سيعطي ويأخذ، سيُنتقد كما انتقد من قبله، سيحاول، ستمضي به الفصول، ستتغير وجوه، سيكون هناك نجوم، وتتبدل أدوار، ويأتي أناس مضحكون، وآخرون متباهون... وسيمضون. ولكن ما سيبقى في الأرض شيء أكبر وأهم من تقسيم الناس لأن الآخر فقط لم يشبهن في موقفه... إن لم نعِ الاختلاف فلا بارك الله فينا.