العدد 2186
الخميس 09 أكتوبر 2014
دوافع التغريد وبواعث النعيق غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 09 أكتوبر 2014

الموضوع الذي نشر في الزميلة “الوسط” في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي، والمتعلق بما يجري على ساحة التواصل الاجتماعي، وخصوصاً في مجال التغريد (تويتر)، أعادني دفعة واحدة إلى ما حدث منذ فبراير 2011 وما تلا هذا الشهر من حمّى تويترية في المقام الأول جعلت من هذه الأداة من أدوات التواصل الاجتماعي الأقوى والأهم في البحرين، كما في الكثير من العواصم العربية في إبّانه، سواء تلك التي شهدت حراكات شعبية أو التي لم تشهد، فقد كان الانفتاح الكبير على هذه الأداة من الأمور اللافتة حقاً.
لقد أحدث فبراير 2011 هزّة عميقة في المجتمع المحلي أيّاً كانت توجهات أفراده، فكلٌّ فزع إلى أقرب الأماكن التي يمكنه من خلالها التعبير عن شعوره، ومواقفه، ومسافته الخاصة من الحدث اليومي، بل اللحظي في تلك الأثناء. وبيّنت إحصاءات المراصد التي تتابع وسائل التواصل الاجتماعي في تلك الفترة، القفزة التي شهدها الإقبال على الوسيلتين الأشهر في التواصل الاجتماعي: الفيس بوك والتويتر، حيث كانت القفزات أكبر بكثير مما يمكن تخيله اعتباراً من 14 فبراير 2011، فأصبح شطر كبير من شعب البحرين، بين ليلة وضحاها، مغرّدين، ويتلاقفون التغريدات، ويعيدون التغريد بها، وكانت السرعة الكبيرة في الحدث اليومي، سواء على المستوى الحكومي الرسمي، أو على مستوى الدوار، أو الفاتح، أسرع من القدرة على الاستيعاب، فكثرت عبارات من مثل (كما وصلني)، حتى يخلي الفرد مسؤوليته عمّا ورده، وإن تحمل مسؤولية إعادة النشر، ولكن لم يكن هناك من يمكنه التوقف والتمحيص والتدقيق. إحدى المغردات قالت إن متابعيها في تلك الفترة كانوا يزدادون قرابة الألف كل أسبوع، خصوصاً في الأوقات البالغة التوتر، والأخبار تتطاير هنا وهناك، وكلّ ينشر ما يحلو له، حتى وإن لم يبد منطقياً، وإن لم ينظر المغرّد ما يمكن أن يقود إليه الخبر من تبعات. هذا عن الأخبار، ولكن “الأسوأ” كما في التعليقات، التي تراوحت بين التحريض، والاستهزاء، السب العلني والمبطن، والقذف كذلك، والتندر على الأفراد والمجاميع، والنيل من التوجهات والمعتقدات، وإطلاق الوصوف بسخاء بالغ، سواء للتعظيم أو التحقير، والانحطاط إلى المساس بكرامة الأفراد والمجاميع وشرفهم، وذلك أحياناً وراء براقع الأسماء المستعارة، التي يمكن الكشف عنها لمن كان له علم بالقرصنة والتتبع، أو من خلال الحسابات الواضحة المعالم.
وعلى الرغم من تضرر أناس كثيرين، وبصفة شخصية، مما غُرِّد في حقهم، إلا أن شيئاً مهماً لم يجرِ في هذا الشأن، ولم يكن هناك تحرك حقيقي واضح لسدّ هذا الباب، ليس من ناحية التضييق والتكبيل، ولكن من ناحية الحماية من القذف والشتم العلني الذي كان يجري بشكل شاهر ظاهر، لا يحتاج معه الأمر إلى شهود.
اليوم، وقد هدأ – إلى حدّ ما – غبار التباري والتسابق من أجل إثبات كل فرد منتمٍ صحة توجهات فريقه، يمكن العودة مجدداً لتفسير ما حدث، إذ يقال إن أي تفسير سيحتاج إلى بعض الوقت للابتعاد عن المشهد بضع خطوات إلى الوراء حتى يمكن رؤيته بشكل واضح وشامل، وقراءته بشيء من التأني. سأختلف مع من يقول إننا قوم لا تصلح لهم الديمقراطية، أو مزاولة العمل السياسي، وما يروّجه البعض عن أننا (كأمة عربية بشكل عام)، لا يمكننا أن نكون ديمقراطيين، ويسُوقون في هذا الصدد الكثير من التبريرات. ذلك لأن التجارب العالمية في مسألة المشاركة لم تأت من فراغ، ولم تتأسس بين ليلة وضحاها، وقد تعثرت مرات، ولا تزال، وتتعلم وتصلح وترقّع، وفي هذا السبيل، دُفعت أثمان غالية، خصوصاً في البدايات الحرجة حيث لم يعتد الناس أن يُسلّموا بالهزيمة، ولم تترسخ لديهم الحقوق المدنية، وإن كانت مكتوبة على الورق ولكنها غير مطبقة حرفياً في اليوميات. وكذلك تجربتنا البحرينية، التي لم تتم بعد عقدين على إطلاقها العلني، ليس منتظراً منها أن تكون خالية من العيوب والنقائص، ففي حين كان البعض يحاول لجمها لتكون طيّعة وهيّنة ليّنة، شكلية أكثر منها فعلية؛ كان البعض الآخر يستعجلها لحرق المراحل، وتخطيها للكثير من العوائق، وحضّها لتقفز قفزاً، وهي لم تتعلم الحبو بعد، وهذه عملية طبيعية لو تم استيعابها ضمن متطلبات المرحلة الأولية، وأعطيت الفرصة لتصنع “خصوصيتها” التي ينتجها الحراك والتدافع والاحتكاك، وليست الأقوال والتصورات. هذا الفراغ الواقع بين تصادم الإرادات خلق تصورات ذهنية لدى الكثير من الناس، بل ربما عمّ الجميع في أحداث 2011 وما تلاها، حيث غابت فضيلة التسامح، والقدرة على تفهّم الدوافع لأي من الفرق الداخلة مباشرة في عملية الشدّ المتبادل، وبالتالي معرفة المناطق التي يمكن للجميع الالتقاء حولها، ومن ثم البناء عليها، وتتبع نقاط الخلاف وتنقيتها واحدة تلو الأخرى، بإرادة وطنية لا تنحو إلى الشتم والسباب والتشكيك والتسقيط.
سيتجاوز الحديث هنا الصفوف الأولى من ذوي الاتجاهات، القادرين (افتراضاً) على كبح جماح مشاعرهم، ومعرفة قواعد اللعبة، ومتى يمكن الكرّ والفرّ، وأين الفرص التي يمكن اقتناصها، ذلك لأن الأمر تجاوزهم في بعض المنعطفات، وصار الناس يشعرون بقوتهم وإمكانياتهم عن طريق ما غرّدوه، وأعادوا تغريده، وما أنتجوه، وما روّجوه، وما دافعوا عنه، وما خاضوه من نقاشات، وما أسرفوا فيه من عداوات، وفي النهاية فإن “الطبخات” تطبخ في غيابهم، وكذا الآكلون لن يكونوا هم مباشرة، وهذا ما يدعوهم لأن يكونوا ربما أكثر تشدداً وتمسكاً إلى اليوم، بما فعلوه من سوء أو إحسان قبل ثلاث سنوات، حينما كان التويتر سيفهم ودرعهم، ولسانهم وأذرعتهم، وحينما ظن البعض أن عليه أن يسرف ما بدا له الإسراف، وكأنه في النهاية سينفرد وحده بالأرض وما عليها، ولن يكون لـ “الآخرين” وجود.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .