لنبدأ بالسؤال الجوهري التالي: لماذا نرى أكثر العرب غير راضين عن أنفسهم وأوطانهم وما وصلوا إليه وما بلغوه من مستوى؟ ولماذا ينظرون إلى الآخرين على أنهم أفضل؟ لماذا يقارنون أنفسهم دائماً، وبسخرية وسوداوية مع الدول الغربية، بل والدول الناهضة التي كانت في صفوفهم قبل سنوات قليلة، ولكنها وجدت سكتها الموصلة للخروج من حال إلى حال، واستطاعت أن تغيّر واقعها، وتتخطى المراتب على كل الصعد، بينما غالبية الدول العربية في المكان نفسه من القائمة تقريباً، مع تحركات بسيطة وفردية من هذه الدول وبحسب قدراتها النفطية الريعية وليس بحسب عوامل بناء حقيقية في جملة مكونات هذه الأوطان، تبدأ بالإنسان وتنتهي به؟!
حتى لا نهيم في العبارات العامة، فإن شعوب الأمة العربية – بشكل عام – تردد الكثير من العبارات الداعية لليأس والأسى، وأننا حالة ميؤوس منها، وأن بيننا وبين النهوض ملايين السنوات الضوئية، لذا ما بيننا وبين الجري من بعد النهوض ما لا يمكن تخيله أو حسابه. والمشكلة أن مفكرين كثرا، ومحللين ودارسين وباحثين قد وضعوا أيديهم على الجراح والمشاكل، ووصّفوا الحلول، ورسموا خرائط الطرق التي يمكن من خلالها أن تجري عمليات سدّ الفُرَج، وإصلاح مواطن الخلل، ودرسوا مجتمعاتنا من قممها إلى قواعدها، وعرف متخذو القرارات لدينا كيف يمكن البناء، فما الذي ينقص حتى نبدأ مسيرة صحيحة وجادة في المضي نحو ما مضت إليه الأمم؟!
ربما تتركز المشكلة الأساسية في الكثير من الأنظمة العربية بأنها تعلم أن كلفة البناء عالية، وأنها تحتاج إلى الصبر، وأنها عملية متواصلة، مشاريع لا يمكن أن يجري مسح العرق بعد إنجازها لأنها مستمرة العمران والبنيان ولا يمكن أن تنتهي إلا إذا أرادت التحول بعد سنوات قلال إلى بلد ممل ومتخلف لأن الآخرين لا يتوقفون عن التطوير والإصلاح والتسديد والمقاربة. وأن تدرك الأنظمة ذاتها أنها تحتاج إلى العدالة والإنصاف والمساواة بين الناس خطوة أولى، وقاعدة أساسية يقوم عليها الحكم، في دائرة وظيفية صغيرة، كما في الدول الكبار، لأن الحكم والإدارة الشاملة ليست مشاريع ذاتية، ولكنها مشاريع أمة، في الوقت الذي تحولت أكثر الأنظمة من جماهيرية إلى مُلك عضوض بلبل فكر الشعوب، وضيّع مفاهيمها، فلم تعد أكثر الشعوب العربية تدري إلى أي الأنظمة تنتمي، وأيها التي يمكن أن تنطبق عليها التعريفات الدولية، لتجد أن قواميس السياسة تصف هذه المنطقة بالخصوصية التي تهدم كل ما جرى التعارف عليه دولياً، إذ المقاسات غير المقاسات، والأنظمة غير الأنظمة، تدّعي الديمقراطية، ولكنها تنادي بالخصوصية المناقضة. وترفض الديمقراطية كما تعارف عليها العالم والذي يعترف بأوجه القصور في الديمقراطية ولكنها – إلى الآن – الشكل الأفضل الذي توصلت إليه البشرية التي هي في بحث دائم عن أشكال أفضل تحكم علاقات القمم بالقواعد الشعبية، ولكن هذه الأنظمة – وللأسف - تأخذ من مفهوم الديمقراطية فقط ما يوافق استمرار الحال على ما هو عليه، وتحولها إلى واجهات منمّقة، بل بالغة النظافة، لجوهر أشوه وكثير التصدّع وأجوف يمكن أن يتداعى في أية لحظة، ويمكن الرجوع عنه، والنكوص والتنكر له في أي منعطف لولا الحياء العالمي. فكل ما تعنيه الديمقراطية هو الفوز في الجولات الانتخابية عن طريق الصناديق في بضع ساعات، مع تسخير كل الإمكانيات الطبيعية وغير الطبيعية، القانونية والخارجة عن القانون، بل والقاتلة للقانون أساساً للفوز بالأصوات، ومن بعدها تبدأ سنون الفساد والمحسوبيات والاستبداد بالرأي والسلطة، فالناس يشعرون أنهم لم ينتخبوا من يمثلهم بل هو فرض نفسه عليهم، أو تم فرضه من قبل القوى الأكبر، فتتعامل معه على اعتباره السيد المطلق الصلاحيات، من دون ندّية أو محاسبة، ومن دون المشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات وصياغة تفاصيلها بما يضمن المصالح العامة للبلاد بأسرها، فتكون القرارات فردية، أو ذات “وجه” ديمقراطي، ولكن موحاة من القائد، سواء كان ملهَماً أو مبهَماً، على أمل أن يدور الزمن دورته، ويقيّض الله أمر رشد لهذه الأمة، أو يجدد اختباره سبحانه لمدى صبرهم، وللصابرين أجرٌ عظيم!
لقد مثل تباعد الصلة بين الأنظمة وقواعدها الجماهيرية، وبرودة التواصل فيما بينهم إلا من خلال طبقة النفعيين وأصحاب الثقة والمتمصلحين، على حساب اتخاذ “البطانة الصالحة الناصحة العالمة” من ذوي الاختصاص، أساس الشرخ الذي جعل المواطن العربي غير معنيّ بما يجري في بلاده، وتقلصت اهتماماته، بعد سلاسل الخيبات والنكبات والآمال غير المكتملة، وتقنين الأنظمة للأكسجين الذي يحصل عليه ويجعله يتنفس فقط ولا يملأ رئتيه حتى لا يتمكن من الصياح بأعلى صوته، أو القيام بما يمكن أن يقلق راحة طبقات ودوائر الحكم والطفيليين المحيطين بهم، الآكلين على موائد الزور، فيختار إما أن ينضمّ إلى القافلة المتزايدة الطول، أو أن ينكفئ على نفسه ويمارس ما يمارسه أكثر الناس على هذه الرقعة المسماة “وطناً عربياً”: الهذرمة وإخراج الأصوات المبهمة من بين الشفاة المتدلاة يأساً واشمئزازاً.
إن أسهل نتيجة يمكن الخروج بها، وهي ليست جديدة على الإطلاق، أن نرمي بالثقل والكرة والأوزار والآثام، في كفة الأنظمة الحاكمة، ولكن علينا حينها أن نتذكر أن هذه الأنظمة إنما نمت وترعرعت في كنف هذه المجتمعات، وخرجت من تحت عباءتها، ورضعت المكونات الثقافية العميقة نفسها التي يحملها المعارضون لهذه الأنظمة. بل وفي أحزاب المعارضة يتم تسويق وتسويغ الممارسات الاستبدادية ذاتها التي يجري رفضها عندما يمارسها الحكم، كالاستحواذ والتمسك والاستنفاع وغيرها من يوميات انتقاد ما يجري على الضفة الأخرى.
لا بأس أننا تعايشنا طويلاً مع هذه الأوضاع، ولكن الخشية كل الخشية، أن يأتي اليوم الذي لا يبقى سوانا في ذيول قوائم التنمية البشرية والحرية والعدالة والشفافية... الخ، ونحن نطنطن بالمؤامرات التي تحاك ضدنا من دول العالم، ونستعيذ بالله من شرور حسد الأمم المتقدمة وحقدها الدفين علينا، ونخلد من جديد إلى النوم.